تفتيت المعرفة وتقسيمها إلى فروع واختصاصات

تفتيت المعرفة وتقسيمها إلى فروع واختصاصات
 
هذه السياسة مألوفة جيداً في العالم ألاستخباراتي حيث أن الأجهزة الأمنية لا تعلم ما تعلمه الأجهزة الأخرى وبنفس الوقت لها صلاحيات معيّنة غير ممنوحة للأجهزة الأخرى. أما في العالم الأكاديمي، فيبدو أن الأمر مشابهاً تماماً، حيث أن كل توجّه علمي مقسوم إلى فروع عديدة وكل فرع هو من اختصاص أفراد محدّدين فقط، فهم الوحيدون الذين يعلمون ما يجري بخصوص هذا الفرع العلمي بالذات، وبالإضافة إلى ذلك، فهم الممثلون الرسميون لهذا الفرع وبالتالي فليس هناك أي صلاحية لأحد غيرهم أن يناقش أي من تفاصيل هذا الفرع العلمي. فالاختصاص والصلاحيات الممنوحة للمتخصّصين حصراً بشأن معرفة أو علم معيّن هو طريقة مخادعة في سبيل ضياع الحقيقة بين حدود هذه الفروع والتقسيمات المتشعّبة. فمجال الطب مثلاً، تم تقسيمه إلى أفرع واختصاصات عديدة، ولا يمكن لطبيب متخصّص في فرع معيّن أن يتناول فرع طبي آخر، إن كان ذلك في المهنة أو إلقاء محاضرة أو نشر دراسة، لأن ذلك سيُعتبر اعتداء على خصوصيات المهن الأخرى. يمكن تشبيه هذه الحالة إلى دين معيّن وقد قُسم إلى مذاهب وأفرع مختلفة، وبالتالي لا يمكن لرجل دين منتمي لمذهب معيّن أن يتناول أي مظهر من مظاهر المذهب الآخر، فهذا قد يثير حساسيات لا تُحمد عُقباها في أوساط لذلك المذهب ورجال الدين المنتمين إليه.
 
لقد تحوّلت العلوم وفروعها المتشعّبة إلى متاهات يضيع فيها الشخص دون أن يصل لنتيجة مجدية. وعملية التقسيم والتجزئة هي دائماً لصالح المسيطرون على المجال الذي تعرّض للتقسيم. إنهم الوحيدون الذين يستطيعون النظر إلى المتاهة من الأعلى، وبالتالي يعلمون مداخلها ومخارجها، بينما القابعين وسط تلك المتاهة، فيجهلون تماماً عن موقعهم بالنسبة للآخرين الذين يشاركونهم المتاهة ذاتها.
..................
 



تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

قولبة العالم الأكاديمي حسب الرغبة