عالم المعرفة ومرض انفصام الشخصية
عالم المعرفة ومرض انفصام الشخصية
عالم المعرفة ومرض انفصام الشخصية
إن المؤرّخ العلمي الأصيل هو ليس من يلعب دور المسوّق للأفكار العلمية السائدة عن طريق التركيز على تاريخ البحث في الظواهر المتوافقة مع المنهج العلمي الرسمي حصراً بينما يتجاهل أو لم يكلّف نفسه في إلقاء نظرة على ذلك الكم الهائل من الأبحاث العلمية المتناولة لظواهر متناقضة مع المنهج العلمي العام ونظرياته السائدة. المؤرّخ العلمي الحقيقي، وأصبح نادراً وجوده اليوم، هو من يبحث في الأوراق العلمية المُهملة التي تناولت ظواهر طبيعية منسية، تم توثيقها ودراستها بعمق وكثافة، لكن بنفس الوقت، تم تنحيتها جانباً والتستر عليها لأنها كانت تعارض مسار المنهج العلمي الرتيب والقائمين عليه من أكاديميين ومسيطرين اقتصاديين.
إن استرجاع إلى ذاكرتنا مشاهدات قديمة منسية، واكتشافات وسجلات علمية قيّمة، وظواهر طبيعية نادرة، يوفّر المزيد من المساحة العلمية الإضافية التي يحتاجها الباحثون اليائسون اليوم في مجال الطاقة، والذين مهما امتدّ أفقهم العلمي، إلا أنهم يدورون حول أنفسهم داخل حلقة ضيّقة وضعهم فيها المنهج العلمي السائد عبر فرض منطق علمي محدد، ومذهب فكري محدد، ولغايات علمية محددة.. مصوّراً هذه الباقة المعرفية المحدودة بأنها تمثّل الحقيقة المطلقة! وليس هناك شيء آخر خلف الحدود!
إن الذين يألفون الأرشيفات العلمية الضخمة التي تقبع مهملة ومرمية في مخازن المؤسسات العلمية العريقة يدركون جيداً حقيقة أن هناك تكنولوجيا هائلة تقبع ساكنة في عالم الأسرار بالمقارنة مع التكنولوجيا التي نلعب بها اليوم. إن ما يتم مناقشته اليوم من تكنولوجيا، بالإضافة إلى تلك التي يتم تطبيقها، لا يمكن مقارنتها بعظمة وروعة ما يقبع في الخفاء. وجب عليك يا أخي الكريم إدراك حقيقة أن معظم التقنيات العلمية التي يتم دراستها اليوم بحثاً عن حلول شافية للمصائب المستشرية، قد تم تناولها وتطويرها لحد الكمال منذ بدايات القرن الماضي! والسؤال هو: لماذا هي مخفيّة؟!
لم يعد هناك أدنى شكّ بأن العالم اليوم مصاب بانفصام في الشخصية! ففي الوقت الذي تجاهد البحوث العلمية الرسمية بكل ما عندها من وقت وجهد ومال لإيجاد وسائل بديلة لإنتاج الطاقة بهدف تجنّب الكارثة البيئية المحتّمة، والبؤس الذي راح يستشري بين سكان الأرض، نجد بنفس الوقت أن الوسائل البديلة موجودة منذ زمن بعيد جداً، وقد تم، في عديد من الدول ومنذ زمن بعيد، بناء أجهزة ونظم مذهلة يمكنها إنتاج كميات هائلة من الطاقة النظيفة.
مهما كانت اللعبة التي يلعبونها على المستوى الدولي، يبدو واضحاً أنها لعبة معرفة وليست كما جعلونا نعتقد: لعبة أيديولوجيات وأديان وأحزاب ودول وإرهاب ... إلى آخره. إن كل ما نراه يجري على المستوى الدولي هو عبارة عن خداع بصري، يخفي وراءه الحرب الحقيقية التي تُشنّ على الإنسان. لقد قرّرت مجموعة من الأشخاص القابعين في لندن ونيويورك بأنه ممنوع على البشر أن يتقدموا أكثر من هذا الحد. إلى هنا وبس. لقد رسموا منهج الحياة التي وجب علينا عيشها، وباشروا في تنفيذ الخطة على جميع المستويات: الأكاديمي، السياسي، الصناعي والاقتصادي. ممنوع علينا تجاوز هذه الحدود!
وإذا كان الأمر غير ذلك، فما السبب إذاً لهذا القمع والإخفاء المستمر لتلك العلوم الرائعة التي يمكنها تخليص الإنسان من هذا البؤس الذي يعانيه؟! ولكي أكون واضحاً أكثر، ما هو السبب الذي يجعل دولة عظمى صدّعت رؤوسنا بالديمقراطية وحقوق الإنسان مثل الولايات المتحدة، تقدم المساعدات التكنولوجية لدول العالم الثالث منذ الخمسينات من القرن الماضي، وتمنحها القروض المالية لبناء السدود العملاقة لتوفير الكهرباء لشعوب تلك الدول، بينما في الوقت نفسه، نجدها تمعن في قمع وسائل بديلة لإنتاج الطاقة وتلاحق المخترعين وتقتلهم؟ لماذا كانوا منذ أواسط القرن الماضي يدعمون مشاريع جبارة تستنزف أموال طائلة كالسدود المائية، والتي ساهمت بشكل كبير في تدمير البيئة وتوازن الطبيعة، بينما في نفس الوقت، كانوا يقمعون تلك الأجهزة العجيبة التي لا يتجاوز حجمها حجم التلفزيون والتي تستطيع توفير الكهرباء الحرة للمنزل النموذجي بكافة مستلزماته الكهربائية؟!! واعتقد بأن قصة المخترع الأمريكي اللامع "ت.هنري موراي" في الثلاثينات من القرن الماضي كافية لإثبات هذه الحقيقة؟!
جهاز موراي العجيب
ولكي أكون عادلاً في توزيع التهم، دعونا نتساءل: لماذا.. في الوقت الذي كانت فيه الحكومة الشيوعية التي قامت في روسيا أوائل القرن الماضي تبسط سيطرتها في كافة نواحي الحياة الروسية، ناشرة العادلة الاجتماعية والأمن الاجتماعي، كان يجري في تلك الفترة بالذات قمع وإخفاء الكثير من الأجهزة والمبادئ العلمية المتعلقة بتوليد الطاقة الحرّة؟! ومثال على ذلك هو ما يُعرف بأنظمة توليد طاقة متذبذبة متثابتة ذاتية التغذية Self-Powering Russian Overunity Parametric Oscillator Power Systems والتي أنتجتها المختبرات الروسية في الثلاثينات من القرن الماضي، لكنها قُمعت بالكامل قبل الحرب العالمية الثانية حيث أصبحت من ملاك المخابرات الروسية KGB واعتبرت أسرار عسكرية سرّية للغاية! وراحت الحكومة تتبنى تلك المشاريع التقليدية المدمّرة للبيئة، على الطريقة الأمريكية، حيث ساهمت السدود العملاقة بشكل كبير في تدمير الأراضي الروسية العذراء كما حصل مع الجنة السيبيرية.
عندما تم غزو ألمانيا في نهايات الحرب العالمية الثانية، بحجّة القضاء على هتلر، جلب بعض جنود الحلفاء معهم الكثير من الأجهزة المولّدة للطاقة الكهربائية الحرة، والتي كان الألمان يصنعونها منزلياً، استولى عليها الجنود الغزاة خلال النهب الذي جرى على نطاق واسع هناك، وقد انتشرت حكايا كثيرة عن هذه الأجهزة العجيبة في فترة معيّنة لكنها عادة واختفت من جديد.
أما بخصوص المنشآت النووية التي أقاموها بحجة أنها البديل الوحيد للسدود المنتجة للطاقة الكهربائية، هذه التكنولوجيا الخطيرة جداً التي بدأت تنتشر على نطاق واسع بين دول العالم، فتُعتبر من أكبر عمليات الخداع التي انطلت على الشعوب، بما فيهم من علماء وأكاديميين ومثقفين! لأن المفهوم العلمي الذي تستند عليه هو مفهوم خاطئ تماماً وليس له أي أساس من الصحة! فالأبحاث التي أجراها الفيزيائي البلجيكي العملاق "غوستاف لوبون" Gustav Le Bon، والمنشورة في العام 1909م، تناقض تماماً المفهوم النووي المزوّر الذي يتبعه المجتمع العلمي الرسمي والخبراء النوويين اليوم. لقد أكد هذا الفيزيائي اللامع حقيقة أن أي مادة على وجه الأرض يمكنها تحرير كمونها النووي على شكل إشعاعات، بشرط أن تتلقى الموجة المناسبة من الضوء فوق البنفسجي (إشعاع)، أو "الطاقة السوداء" كما سماها، والقادمة من الفضاء الخارجي.
"غوستاف لوبون"
لقد اختلف "لوبون" مع الفيزيائيين في تلك الفترة، الذين راحوا يعزلون المعادن الثقيلة بحجة أنها العناصر الإشعاعية الوحيدة الموجودة على كوكب الأرض. لقد أثبت لهم مراراً وتكراراً كيف أنه يمكن جعل أي مادة تصبح إشعاعية مجرّد أن سلّط عليها موجة ضوئية مناسبة لها، حيث استطاع جعل كل من معدني المعنيسيوم والقصدير يطلق طاقة تفوق قيمتها قيمة الإشعاع الصادر من كتلة الراديوم المتساوية بالحجم! والوسيلة التي استعان بها لتجسيد هذا التأثير العجيب هي تسليط أشعّة مكثّفة من ضوء الشمس فقط لا غير! لكن جميع الإثباتات التي استعرضها أمام المجتمع العلمي لم تهزّ شعرة واحدة من رؤوسهم البليدة.. لا حياة لمن تنادي! استمرّت عملية الخداع دون تردد أو إعادة نظر فيما هم فاعلون! فمن برأيكم هو المسؤول عن الرعب النووي الذي يسود اليوم؟!
السؤال المهم الذي وجب على كل عاقل طرحه هو: من المستفيد من هذه الحالة المرعبة التي نعانيها اليوم؟ لماذا يساهمون في نشر التكنولوجيات الخطيرة والمدمرة في الوقت الذي يخفون فيه تكنولوجيات نظيفة وأكثر أماناً؟! لماذا كل الدول المتقدمة، رغم وجود خلافات سياسية وأيديولوجية واقتصادية فيما بينها ظاهرياً، إلا أنها تشترك في عمل واحد يجمع بينها ويوحّدها: قمع التقنيات المنتجة للطاقة الحرّة؟! أليس هذا أمراً يدعو للشكّ والريبة؟.. هل يمكن أن تكون كافة المجريات السياسية الحاصلة على المسرح الدولي مجرّد مسرحيات تخفي وراءها أجندة خفية تديرها عصابة من الصناعيين والمصرفيين؟!
قبل أن يبدو قولي السابق مجرّد تخريف وخيال واسع (وهوس بنظرية المؤامرة)، وأن ما من تكنولوجيات سرّية أو ما شبه، دعونا نلقي نظرة على ما يجري في العالم الأكاديمي وما هو موقفه من مسألة الطاقة بشكل عام وما هو سبب هذه البلادة التي يعاني منها بهذا الخصوص.
..............
جولة في رحاب العالم الأكاديمي المحترم
هذا الموضوع يتناول الكثير من المسائل الأساسية التي تستحق لفت انتباه المثقفين والمتعلمين، بما فيهم المجتمع العلمي الرتيب وتدعوهم للقيام بالإجراءات المناسبة حيالها. إن السبب الرئيسي وراء حصول خطأ جسيم في فهم البشر للطبيعة والكون من حولهم هو منح الأكاديميون الأولوية للعلم المنهجي وقوانينه المعقدة على حساب الطبيعة وما تظهره من بساطة ووضوح. بالإضافة إلى تجنب العلم، أو عجزه عن، الإجابة على الكثير من الأسئلة البسيطة بخصوص الظواهر الطبيعية من حولنا، والتي يبدو أنها تتطلّب إجابة بسيطة خالية من التعقيد العلمي المعتاد. رغم أن الفضل الأوّل للتقدم التقني الذي نتمتع به اليوم يعود للاكتشافات العفوية غير المقصودة (عامل الصدفة) أكثر من كونها نتائج اختبارات علمية محسوبة مسبقاً، إلا أن العلم المنهجي لازال يدعي بفخر أن الفضل لهذا التقدم يعود إليه ولقوانينه ونظرياته العلمية التي وضعها العلماء الأوائل في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. إذا استثنينا تلك الاكتشافات الثورية غير المحسوبة (والتي تم ملاحظتها بالصدفة) والتي تُعتبر صاحبة الفضل في هذا التقدم الهائل في العلم والتكنولوجيا اليوم، سوف نرى بوضوح كيف أن النظريات العلمية المنهجية، التي وُضعت أصلاً نتيجة تنظيرات وهمية تستند على حقائق خرافية غير واقعية وتجارب مخبرية مزوّرة، كانت ولازالت تواجه الكثير من المشاكل المستعصية والنتائج المأساوية المستشرية في أوساط المجتمع العلمي المنهجي.
صحيح أن الناس يحترمون العلم ويهابونه، لكنهم في الحقيقة يفعلون ذلك نتيجة قناعات خاطئة تماماً لا تمثّل سوى أوهام. غالباً ما يعجزوا عن استيعاب وفهم النظريات العلمية المتناقضة والمعقدة، وبنفس الوقت يقبلون بالنتائج غير المُفسّرة للكثير من التجارب العلمية المذكورة في المنهج العلمي المرسوم. على مرّ السنين الطويلة، خسر المجتمع العلمي الكثير من التلاميذ ذوات العقول اللامعة وكذلك الباحثين المميّزين، الذين انتقلوا للعمل في مجالات حياتية أخرى كنتيجة مباشرة للطريقة الاستبدادية وغير المنطقية التي يفرض فيها المنهج العلمي أفكاره المربكة/المتناقضة ومعتقداته الأصولية المتزمتة التي تفرض الامتثال القسري على التلاميذ الذين وجب أن ينصاعوا للقبول بهذه النظريات والأفكار دون مسائلة أو نقاش. عن طريق غرس الأفكار عنوة في الأذهان، والضغط بقوة نحو قبول النظريات العلمية المتناقضة، وترسيخ حالة عدم يقين وكذلك الإرباك والفوضى في المفاهيم، بقي المنهج العلمي الرسمي طوال هذه السنوات يعجّ بالأساطير والخرافات العلمية التي أصبحت مسلمات غير قابلة للنقاش. وكنتيجة مباشرة لهذا الأمر المأساوي، بقينا حتى اليوم، ورغم هذا التقدم الهائل، عاجزين عن وصف أو تعريف الآلية الحقيقية وراء طريقة عمل الطبيعة والكون من حولنا. رغم الحقيقة المتمثلة بأن المدرّسون والأساتذة يسودهم الأمل بأنه في أحد الأيام لا بد من ظهور نظرية علمية أفضل، إلا أن المتعصبون العلميون، والذين يحتلون في الغالب المناصب الأعلى في هذا الكيان العلمي، يجاهدون بكل ما عندهم من قوة في المحافظة على "الوضع الراهن" متمسكين بالنظريات العلمية البالية وكأنها نصوصاً مقدسة أرفع وأسمى من أن تدنّسها أي حقيقة علمية جديدة تظهر هنا أو هناك.
ملاحظة: في هذا الفصل، سوف ترد عبارة "مشاهدة وهمية" أكثر من مرّة، ويُقصد بها ما يُدركه الباحث خلال الاختبار والأخذ به على أنه يمثّل الواقع، مع تجاهل الأمور التي تتجسّد فعلياً في الظاهرة أو التجربة الخاضعة للمراقبة لكن دون مستوى إدراك الباحث (أي على المستوى المجهري أو الذرّي). فبالتالي، إن الأخذ بالملاحظات المخبرية القابلة للإدراك البشري مع استثناء الملاحظات الحاصلة دون مستوى الإدراك تكون مشاهدة غير كاملة، ويعتبرها الباحثون المستقلون بأنها "مشاهدة وهمية".
وفق مفهوم "الطريقة العلمية السليمة"، عندما تتناقض الملاحظات المخبرية المُثبتة مع المعتقدات العلمية السائدة، وجب على المجتمع العلمي أن يتوقف فوراً عن الأخذ بالنظرية العلمية السائدة واستبدالها بنظرية علمية جديدة تستند على الاكتشاف المخبري الجديد. هذا ما وجب أن يحصل في هكذا حالات. لكن الواقع يختلف تماماً. الحقيقة مؤلمة إلى أبعد حدود. إن جميع العاملين في هذا المجال العلمي، ابتداء من محرري الصحف والمجلات العلمية وانتهاءً بالأساتذة الأكاديميين والعلماء النظريين، جميعهم يجاهدون أوتوماتيكياً نحو هدف واحد فقط، وهو المحافظة على الوضع الراهن.. أي إبقاء كل شيء كما هو! ذلك من خلال الرقابة الشديدة على الصحافة والمنشورات العلمية، مشددين على أن تكون كافة الملاحظات والاكتشافات المخبرية متوافقة ومتناغمة مع التفسيرات التقليدية للمنهج العلمي الرسمي، وإلا تُعتبر لاغية وغير رسمية. هذا السلوك يدفع الباحثين وكذلك الكتاب والمؤلفين العلميين إلى الامتثال والرضوخ لهذه الشروط الاستبدادية، مساهمين بذلك في استمرارية رسوخ تلك المسلمات العلمية البالية والمزوّرة على الأغلب، ويبقى هذا اللاهوت العلمي مسيطراً على عقل ووجدان كل من عمل في المجال العلمي. وبالتالي تستمر عملية رفض واستبعاد أي حقيقة علمية غير متوافقة مع المنطق العام، فتستمر معها حالة الفوضى والتناقض في المفاهيم، مستشرية في كافة الفروع والمذاهب العلمية الأخرى.
حسبما يعتقد الفيزيائيون والكيميائيون، فإن العمل وفق الطريقة العلمية السليمة هو الذي منع الأخطاء والهفوات من الدخول إلى المنهج العلمي بكافة فروعه. لكنهم لم يفطنوا أبداً إلى حقيقة أن القوانين العلمية التي تخضع لها الطريقة العلمية السليمة قد تكون خاطئة أصلاً! وبالتالي فإن أخذها كمقياس ثابت خلال الحكم على الاكتشافات العلمية الجديدة يزيد من الأمر سوءاًً وتتحول بعدها هذه الطريقة العلمية السليمة إلى مجرّد آلية تساهم في تكريس الخطأ والابتعاد عن الحقيقة أكثر وأكثر.
الحل الجازم لهذه المسألة يكمن في تطبيق ما يمكن أن نسميه الطريقة العلمية السليمة الشاملة على كافة الأسس والمبادئ التي يستند عليها هذا الكيان العلمي الرسمي. وجب علينا إعادة النظر في كافة المعتقدات العلمية الراسخة بقوة في العقول طوال كل هذه السنوات حتى أصبحت مسلمات مقدسة. وجب أن يكون الهدف الأسمى، ليس المحافظة على المسلمات كما هو حاصل اليوم، بل الاجتهاد نحو تفسير مظاهر الكون وفق نظرية شاملة وبسيطة بالاعتماد على قوانين علمية واضحة وسليمة وخالية من أي شوائب ورواسب مشوّهة لصورة الحقيقة.
بعد مرور 300 سنة على ولادة الفيزياء، و200 سنة على ظهور الكيمياء، أدّت التفرعات والاختلافات في تطبيق الطريقة العلمية السليمة إلى ظهور صراعات ومنافسات بين الكثير من المدارس العلمية المختلفة، وأصبح الهدف الأسمى لكل من هذه المدارس يتمثّل بالانتصار على المدرسة الأخرى، وكل شيء مباح في الحروب، حتى لو جاء هذا الانتصار نتيجة لتزوير الحقائق، الخيانات، المؤامرات، الرشوة وغيرها من وسائل بعيدة كل البعد عن الطريقة العلمية السليمة. وجب علينا الانتباه جيداً إلى بعض الفترات المهمة من تاريخ العلم المنهجي والتي نشبت فيها صراعات بين مدارس علمية مختلفة، وأن نفطن لحقيقة أن المنهج العلمي الذي يسود اليوم هو مؤلف من مجموعة مدارس علمية (فيزياء، كيمياء، طب.. إلى آخره) خرجت منتصرة من صراع طويل ومرير مع مدارس أخرى كانت قائمة في إحدى الفترات. وتذكّر أن انتصار مدرسة على أخرى قد لا يأتي نتيجة لقوة حجتها العلمية بل يكون نتيجة مؤامرات خسيسة ليس لها أي علاقة بالعلم إطلاقاً! والمأساة الحقيقية تكمن في أن معظم الناس يتملكهم اعتقاد راسخ بأن هذا المنهج العلمي الرتيب هو حصيلة جهود مستمرة ونزيهة تراكمت عبر هذا التاريخ العلمي الطويل، وبتقدم بطيء ومتواصل وصل العلم إلى ما هو عليه الآن وحقّق ما حقّقه. هذه النظرة الساذجة التي يؤمن بها الأغلبية ساهمت بشكل كبير في ترسيخ الخطأ واستمراريته عبر كل هذه السنوات. فأنا شخصياً واثق كل الثقة، بأن الذين سيقرؤون هذه الفقرات سوف يُقسمون إلى قسمين: القسم الأوّل (وهو الإيجابي) سينظر إلى ما قرأه بجدية واهتمام، وربما يبدأ منذ هذه اللحظة بإعادة النظر في كل المعلومات والحقائق العلمية التي تشرّبها طوال فترة الدراسة والتحصيل العلمي، متبنياً مبادئ علمية جديدة تهدف إلى تفسير الطبيعة على حقيقتها. بينما على الجانب الآخر، هناك القسم الثاني (وهو السلبي) الذي سيعتبر ما قراءه للتو عبارة عن اعتداء سافر على الكيان العلمي المحترم ومصداقيته، وكذلك عليه شخصياً وعلى مؤهلاته العلمية التي عمل جاهداً ليستحقها، وإذا كان أستاذاً مرموقاً في إحدى الكليات أو الجامعات، لا بد من أن يستشيط غضباً لهذا الانتهاك الوقح لموقعه الأكاديمي ومركزه الاجتماعي.. إلى آخره!
من أجل الاستمرار في تكريم وإجلال "نيوتن" و"ديفي" و"أينشتاين" وغيرهم من الأولياء العلميين الصالحين على حساب الحقيقة، وتناول أعمالهم "المقدسة" بالحرف والكلمة، أدى بنا الأمر إلى ابتعادنا كل البعد عن معرفة طبيعة الكون من حولنا. هذا العمل المتمثّل بتقديس العلماء وأخذ أعمالهم كمسلمات لاهوتية يناقض المبادئ العلمية الأصيلة التي من الواجب على الأكاديميين صونها والالتزام بها. ولسوء الحظ، فإن طريقة غرس التعاليم العلمية في الأذهان اليافعة تنتج حالات معيّنة تجعلك تظن بأن إعادة النظر في مفهوم علمي معيّن أو ملاحظة هفوة أو خلل فيه يمثّل اعتداء سافر على سمعة ومصداقية الكثير من العلماء العظماء. بغض النظر عن من خلق أخطاء علمية وكيف ولماذا، وجب أن تتذكّر أن البشر غير معصومون عن الخطأ، وأن هفوة واحدة لا يمكنها تدمير صورة هذا الشخص العظيم وتمحو إنجازاته المهمة الأخرى.
تسويق الخرافات
مع مواجهة صعوبة في شرح الأفكار العلمية المعقدة، غالباً ما يستخدم المدرّسون الحكايا الرمزية للمساعدة على سرعة الفهم والاستيعاب، وكذلك زيادة القابلية على هضم المفهوم العلمي للحكاية دون أي تقصير أو تردد. لقد أثبتت هذه الوسيلة جدواها حيث أنها تستطيع محو واستبدال قناعات أخرى كانت مغروسة في الذهن سابقاً. يتم استخدام هذه الوسيلة المتمثلة بـ"رواية الحكايا الرمزية" من قبل المفاوضين المحنّكين، وكذلك المسوّقين التجاريين المحترفين، والسياسيين، والزعماء الدينيين، وحتى المتعصبين. وطالما استخدم المحرّضون هذه التقنية الفتاكة (رواية الحكايا الرمزية) كأداة تحريف عاطفية وانفعالية لتقديم وفرض، وحتى تحريف، طريقة تفكير أو توجّه أو فلسفة معيّنة. وجب على التلاميذ الحذر من هذه الطريقة، لأن الحكايا الرمزية تكرّس أوهاماً قوية لا تمت للحقيقة بصلة. إن سوء تفسير بسيط، أو تسويق مخادع لأكذوبة معيّنة، تأتي على شكل "حكاية رمزية" يمكنها أن تظلّل الساذجين والغافلين، فارضة القبول بمعلومة معيّنة على أنها حقيقة مطلقة. أو ملاحظة علمية مشكوك بأمرها يتم شرحها على شكل "حكاية رمزية" بحجة تبسيطها قد تساهم في تشويه صورة الواقع تماماً في ذهن المتلقّن وبالتالي يصعب تصحيحها بسهولة في المستقبل.
في رحاب العلم المنهجي، الساحة هي دائماً تحت سيطرة الحكاية الرمزية التي تكون متخفية بزيّ التجربة الذهنية، فتعمل على انساب تجارب حياتية عامة (تجربة يومية، مواقف افتراضية، أمثلة موازية، صور توصيفية.. وغيرها) إلى حالات ومواقف ليس لها صلة بالمطلق. إن الحكايا الرمزية التي تظهر شروحات وتفسيرات منطقية بالنسبة لنا غالباً ما تكون باطلة وغير صحيحة. من أجل جني الرضى والقبول لفكرة علمية معيّنة، ينشد المدرّسون إلى تجسيد القناعة العمياء لدى الطلاب عبر القصص الإيحائية المبطنة، والتي يتجسّد تأثيرها، ليس فقط على المستوى المنطقي التحليلي، بل على المستوى العاطفي أيضاً. يمكن لحملة تسويق تجارية أن تحتوي على عدة حكايا رمزية متسلسلة، وكل حكاية أقوى من السابقة، وبعد انتهاء هذه الحملة الدعائية يكون قد تم إقناع المستهلك بأن تلك الأفكار التي تم تسويقها تمثّل حقيقة واقعية وأن السلعة تمثّل ضرورة لا غنى عنها. وقد استخدم "أدولف هتلر" الحكايا الرمزية لجذب وإغواء الشعب لتبني وقبول الأيديولوجية النازية. يمكن لأي شخص أن يحتضن، بحماسة شديدة، الكثير من المفاهيم الواهمة والأيديولوجيات المزوّرة عندما يقع ضحية العاطفة العقائدية المتزمّتة، والعشائرية المتعصبة وغيرها من توجهات فكرية تتحكم بشرائح جماهيرية واسعة. هذه الحالة لا تستثني العاملين في العالم الأكاديمي المحترم، حيث تم تزوير الكثير من الملاحظات وتم اعتبار الكثير من الفرضيات والأوهام على أنها حقائق مسلّم بها، كل ذلك عبر تسويق الحكايا الرمزية على أنها مقاربات حقيقية للأفكار العلمية المُراد نشرها وترسيخها.
نظريات الانفجار العظيم
فيما يلي مثال جيّد على استخدام عدة حكايا رمزية في مجال "الكوزمولوجيا" (علم الكون)، والتي يلجأ إليها المدرّسون لوصف وشرح عملية الانفجار الكوني العظيم وكذلك النظريات المتعلقة بالتوسّع الكوني المستمر. بالإضافة إلى عرض هذه النظريات غير الواقعية على شكل صور متحركة تم إخراجها بشكل جيّد، يقوم العلماء الكوزمولوجيون بتجارب عملية (مخادعة) لتكريس الانطباع في أذهان الطلاب بأن ما يسوقونه من نظريات وأفكار تمثّل الحقيقة. ينفخون مثلاً في بالون مُرقّط بنقاط سوداء، ثم يشرحون كيف أن البالون كلما كبر حجمه كلما زادت المسافة الفاصلة بين النقاط السوداء وكيف أن هذا ينطبق على واقع الكون والمجرّات الذي يتوسّع باستمرار بعد حصول الانفجار العظيم. وما يدعو للسخرية هو أن هذا الوهم يحتل العقول على شكل قناعة راسخة بأن الكون يتصرّف فعلاً بهذه الطريقة، مع أننا لم نرى الكون بشكل فعلي في التجربة السخيفة التي أجراها الأستاذ وكل ما رأيناه هو البالون! هكذا يتم تسويق النظريات.. مجرّد أوهام ليس لها أساس أو إثبات أو برهان.. مجرّد تجربة عملية سخيفة تفي بالغرض! هذه التجربة البسيطة تمثّل المرحلة الأولى فقط. بعد أن رسخت الفكرة المستنبطة من هذه التجربة في الأذهان، ينتقل الأستاذ إلى تجربة (مخادعة) أخرى، فيصف عملية خبز كعكة بالزبيب في الفرن، وكيف تتمدّد الكعكة خلال عملية الخبز وكيف أن الزبيب الذي تحتويه يمثّل المجرات، وهذه المجرّات تتباعد عن بعضها خلال تمدّد الكون كما هي الحال مع الزبيب الذي يتباعد عن بعضه خلال انتفاخ عجينة الكعكة في الفرن. وطالما أن القليل من العلماء يعرفون كيف يخبزون الكعكة، فربما تكون هذه المقاربة التفسيرية صحيحة!!
بما أن الشخص سيتقبّل التجربتين السابقتين كحجج ثابتة، لم يعد الأمر يتطلّب المزيد من البراهين والتجارب لإثبات الفكرة. لقد نجحت هذه الوسيلة في وصف الانفجار العظيم والتمدد الكوني بالتسرّب إلى الأذهان بسهولة، وكان الأستاذ واثقاً مما يقوله بسبب قناعته المسبقة بأنه يفقه جيداً الطريقة التي يجري فيها الانفجار على سطح الأرض وبالتالي لا بد من أن يكون الانفجار في الفضاء وعلى المستوى الكوني مشابه تماماً. في مخالفة مطلقة للقوانين الهندسية الثابتة، وكذلك تجاوزاً للطريقة العلمية السليمة وكل الحقائق العلمية الأخرى، قام المسوّقين لهذه الأوهام الكوزمولوجية بتحريف الملاحظات المتعلقة بظاهرة "الانزياح الأحمر" red-shift للمجرات، فقط من أجل إثبات مصداقية تنظيراتهم السافرة. مسوقين لنظرية افتراضية تتحدث عن خرافة الانفجار العظيم والتمدد الكوني. كانت طريقة التسويق لهذه الأكذوبة قوية جداً وكثيفة جداً لدرجة أن الغافلين تقبلوها على أنها حقيقة مسلّم بها. وبما أنها احتلت عقول الأكاديميين والمجتمع العلمي بشكل عام حتى أصبحت عرفاً، لم يعد يتجرأ أي من العلماء على المخاطرة بسمعته ويخرج عن التيار العام ليتحدى مصداقية هذه الفرضية الوهمية، والفاشلة هندسياً ورياضياً وحتى منطقياً.
أما الجانب المثير للسخرية الذي وجب الإشارة إليه، فيتمثّل بالهندسة السطحية للبالون الذي ينفخ فيه الأستاذ، حيث يكشف عن سلسلة من الأوهام الواضحة التي تناقض النظرية ذاتها! لقد قام مصممو ومسوّقو هذه التجربة المخادعة بوضع الكرة الأرضية في مركز الكون المتمدد.. أي في مركز البالون المنفوخ! يصفون امتداد كوني على أنه كرة دائرية قطرها 15 ألف مليون سنة ضوئية، مع موقع الكرة الأرضية في المركز تماماً! إن هذه الفكرة البالية المتمثلة بأن الكرة الأرضية هي مركز الكون (والتي تعود للقرون الوسطى) تكفي لأن تدحض بمصداقية المدرّس ومؤهلاته العلمية. إن الفشل في العمل وفق الطريقة العلمية السليمة يعود أولاً على عاتق المدرّسين. فرغم وضوح الأخطاء الفادحة في هذه الفكرة، استمروا في تدريسها وكأنها حقيقة ثابتة، متجاوزين بذلك كل بروتوكولات الطريقة العلمية السليمة حيث لم ينظروا في مدى دقة الأسس الهندسية لهذه العقيدة العلمية التي يسوّقونها. إنهم بكل بساطة يحافظون على استمرارية رسوخ التفاهات غير العلمية معتبريها حقائق علمية ثابتة! إنهم، كما الببغوات (جمع ببغاء)، يسوّقون الأفكار المحرّفة والملاحظات الوهمية والحكايا الرمزية المخادعة دون النظر في مدى أهليتها الهندسية والرياضية.
البروبوغاندا الموجّهة وتزوير الأقوال المأثورة
غالباً ما يعمل التاريخ الموجّه وكذلك وسائل الإعلام المتناولة للأقوال المأثورة والخطابات وغيرها من أدبيات تعود لشخصية بارزة، في التركيز على مقاطع معيّنة دون غيرها وتسلّط عليها الضوء بطريقة تمكّنها من تغيير الفكرة الرئيسية من النص الكامل وتحريف سياق ومعنى الموضوع الذي يتناوله. وجب على التلاميذ والمدرّسين الحذر خلال استخدام أو قبول أو نقل الحكايا الرمزية والأقوال المأثورة تجنّباً لإمكانية المساهمة غير المباشرة في تكريس معتقدات خاطئة يمكنها أن تعشعش في أذهان البعض لفترات طويلة أو ربما إلى الأبد، خاصة عندما تستعرض الحكاية الرمزية صوراً ومواقف تقود التلميذ إلى حالات تجعله يستنبط استنتاجات على المستوى العاطفي. من أجل التعرّف على ما أقصده بالضبط، كل ما عليك فعله هو متابعة النشرات الإخبارية التي تذيعها محطتان متنافستان سياسياً مثلاً وستلاحظ كيف يتم رواية ذات الحدث لكن بقصص مختلفة ووجهات نظر مختلفة. يمكنك ملاحظة أمور كثيرة مشابهة مثل سوء استخدام الأقوال المأثورة بالإضافة إلى سوء تفسير المواقف والخطابات. هناك الكثير من التقنيات والوسائل المؤثرة جداً التي يمكنها استئصال الحقيقة من جذورها واستبدالها بأكاذيب متشعّبة، وكل ذلك يحصل دون أن يفطن أحد لما يجري وكيف يجري. يستطيع الصحفيون مثلاً، أو حتى الموالون المتعصبون لقضية أو عقيدة معيّنة، أن يسوّقوا أهداف وغايات معيّنة عبر تحرير النصوص والأقوال بطريقة تناسب غايتهم. فيمكن لنص سخيف أن يتحول فجأة إلى موضوع مثير وممتع، بالإضافة إلى إمكانية تحريفه إلى سياق مقبول عبر سوء الترجمة والتفسير وكذلك الدور الكبير الذي تلعبه طريقة الإلقاء النص خلال إذاعته أو نشره.
على مدى قرون طويلة من الزمن، عمل المتعصبون الدينيون (في كافة المذاهب والطوائف) على تحريف وسوء تفسير النصوص المقدسة لغايات مختلفة، لكن أهمها هو أن تصبح أكثر إقناعاً وواقعية. ليس فقط يغيّرون السياق الرئيسي عبر سوء التفسير، التحريف، والخداع، وكل هذا يجري باسم الواحد الأحد، وتحت شعار الســلام والمحبــة، بل الهدف المبيّت يتمثّل بـ:
ـ نشر الجهل والكراهية بين الرعايا،
ـ نشر التمييز والتعصّب والتكفير،
ـ القمع والاستعباد،
ـ الميل للانتقام والثأر والقتل،
ـ البغاء والفحشاء والشهوة
ـ الحسد والطمع والابتزاز بالتهديد
ـ التعذيب والإرهاب
ـ المجازر والتطهير العرقي والحرب
إلى آخره.. إلى آخره...
هل لا زلت تظن بأن العالم الأكاديمي المحترم يخلو من المتعصبين المستعدين لتزوير الحقائق دون أن يأبهوا لنتائج عملهم على المستوى الجماهيري؟ إذا كنت لا تزال مستبعداً لهذه الحقيقة المريرة، فأصحو وانظر إلى الأمور بواقعية أكثر. تذكّر أن المدن والمجتمعات الفاضلة تجسّدت في خيال الفلاسفة وليس على الأرض الواقع، إنها مجرّد أوهام لا أكثر ولا أقلّ.. وستبقى كذلك إلى الأبد.
وجب الحذر جيداً من الأخذ بنظرية معيّنة كحقيقة ثابتة من خلال تفسيرها عن طريق رواية حكاية رمزية، لأن ما تظهره الحكاية الرمزية من استنتاجات وملاحظات قد لا تكون ذات صلة إطلاقاً بالتجربة العلمية المتناولة لتلك النظرية. فمثلاً، استخدم "أينشتاين" الحكاية الرمزية التي تناولت "تكافؤ القوة" force equivalence، واصفاً الطبيعة المتطابقة بين القوة الجاذبية المباشرة وبين نموذج القوة المتشكّل داخل الصاروخ المتسارع. عندما تكون منظومة قصور ذاتي inertial frame of reference في حالة تسارع، تتجسّد قوة حقيقية في تلك المنظومة، بسبب تغيّر معدّل انزياح الموقع positional displacement. لقد ادعى "أينشتاين"، وبشكل خاطئ، بأن المراقب الموجود داخل المنظومة المتسارعة لا يمكنه التفريق أو التمييز بين قوة القصور الذاتي inertial force وبين الجاذبية gravity. وقد اعتمد "أينشتاين" على التعقيد الشديد في شرح هذه الحكاية الرمزية (الصاروخ)، متبعاً طريقة سرد ومعادلات معقدة جداً مما تطلب الأمر تدخّل جهة ثالثة لشرح وتفسير هذه العملية للناس. لكن رغم ذلك، فقد أخفت هذه الحكاية الرمزية خطأ فادح! مقدماً مشاهدات وهمية على أنها حقائق ثابتة، عبارة عن فيزياء بديلة ليس لها أي أساس واقعي ولا تمت للحقيقة بصلة.
مع أن الأوهام التي تبرزها "نماذج قوة" مختلفة تنتج ذات التأثيرات ظاهرياً، لكن طالما أن الآلية تختلف، فلا بد من أن تتغيّر المقارنة بين القياسات الملحوظة كلما تغيّرت المسافة. بصرف النظر عن الموقع داخل منظومة متسارعة، فوجب قياس القوة المُطبقة على أنها تملك كثافة مكافئة وجهة سير متساوية. مع عامل مسافة خارج عن معادلة منظومة القصور الذاتي، وجب أن تمثّل قوة موجة الانزياح المنطلقة بعيداً عن المركبة المسافرة نوعاً من القوة القابلة للقياس، دافعة الوسيط الأثيري وكذلك أشيا أخرى بعيداً عن مسار طريقها، ويلحق بالمركبة قوة ارتدادية ناتجة من انهيار الوسيط الأثيري الذي تمزّقه المركبة خلال سفرها. لكن من ناحية أخرى، تجسّد الجاذبية قوة جذب تستند على عزم مُعتبر على طول وامتداد الوسيط، حيث أن مع ازدياد المسافة الفاصلة عن مصدر الانطلاق، تنخفض القوة المُقاسة تناسبياً مع مربّع المسافة. تنتج هاتان الآليتان المختلفتان تماماً نماذج قوة مختلفة وفريدة مع أنهما تظهران التأثير ذاته، ويتمثّل بقوة موجّهة تدفع مادة نحو مادة أخرى.
الجاذبية هي عبارة عن قوة تسارع تؤثّر في كتلة ثابتة. دعونا نتصوّر قوة قصور ذاتي متجسّدة خلال تسارع الطائرة عبر مدرج المطار، دافعة الركاب بقوة نحو مقاعدهم، ومن جهة أخرى، نتصوّر الطائرة ذاتها تسقط من السماء (سقوط حرّ) متوجهة نحو الأرض، حيث يتجسّد ما نسميه انعدام الجاذبية، سوف نجد أن الحالتان تختلفان تماماً. بعكس ما يعتقد "أينستاين"، تكشف الجاذبية عن الوهم الكبير الذي تمثّله خلال عملية السقوط الحرّ، حيث تكون جميع الأشياء داخل المنظومة المتسارعة (الطائرة الساقطة) تتسارع معاً بنفس المعدّل ودون إنتاج أي تأثيرات قصور ذاتي. خلاصة الكلام: خلال السقوط الحرّ، تصبح الجاذبية هي القوّة الفعالة.
يمكننا هنا ملاحظة السذاجة القصوى عندما تم اعتبار كل من الجاذبية gravity وتسارع القصور الذاتي inertial acceleration على أنهما تمثلان قوة واحدة. كل ذلك حصل عبر مجموعة من الحكايا الرمزية السخيفة، حيث تم تقديم حجج وبراهين علمية غير مجدية أصلاً بالإضافة إلى استخدام نظريات وهمية على أنها تمثّل حقائق ثابتة.
يمكن إيجاد الكثير من الأمثلة على هكذا حكايا رمزية موهومة في النصوص والأدبيات العلمية. عندما قرر "أينشتاين" بأن يدمج المجال الكهربائي مع المجال المغناطيسي وكأنهما وجهان مختلفان لكيان واحد غير منفصل يُسمى المجال الكهرومغنايسي، فعل ذلك دون تميز أو وصف أي آلية إطلاقاً، بينما في الوقت نفسه كانت الرياضيات الجبرية المتحية vector algebra (تتعامل مع حسابات المجالات والكميات الموجّهة) توصف الأوهام التي يظهرها التأثير المغنوـ مغناطيسي للذرّة magneto-magnetic atomic affect. لقد بدى واضحاً من أعمال أينشتاين بأن الهدف الرئيسي كان "إلغاء مفهوم الأيثر ?ther على أنه وسيط التوالد medium of propagation ". ربما دون قصد منه (نيّة بريئة)، منح أينشتاين النسبية لسرعة المراقب خلال معرفة كمية المجال الكهربائي والمغناطيسي المُراقب، لكنه بعدها ألغى المنظومة الكونية من المعادلة، وكذلك عامل الحركة داخل الوسيط، مقدماً بذلك مجموعة من التناقضات على أنها حقائق ثابتة بالملاحظة الملموسة، لاغياً النسبية من حركة المراقب داخل الوسيط. منذ ذلك الحين راح المدرّسون الأكاديميون يحرّفون هذه النظرة بهدف إنكار وجود الأيثر ?ther كوسيط كوني، بينما في الوقت نفسه نجد أنهم استمروا في استخدام رياضيات "ماكسويل" المستندة أصلاً على وجود الأيثر.
إن وجود الأخطاء الأساسية في الأدبيات العلمية تمثّل السبب الرئيسي الذي جعل نسبية أينشتاين relativity والنظرية الكمومية Quantum غير متوافقتان. ليس لأن أحداها صحيحة والأخرى خاطئة، بل كلاهما خاطئتان وتعتمدان على أوهام وبراهين افتراضية وحكايا رمزية ليس لها علاقة بالواقع، ولا يمكن التعبير عنهما سوى عبر معادلات معقّدة جداً ما من ضرورة لها أصلاً. من أجل أن يتخذ أي علم من العلوم صفة علمية حقيقية، وجب تمييز آلية الطبيعة التي يتناولها بشكل واضح وبسيط بحيث يمكن فهمه واستيعابه بسهولة، حتى لو تطلّب الأمر إلغاء نظرية قائمة مسبقاً. وجب على التصحيحات الجديدة أن تشرح كافة آليات وخواص المادة بطريقة تجعلها تبدو أقرب إلى الواقع، وليس كما هو حاصل الآن، حيث المعادلات الرياضية المعقّدة جداً التي تخفي في طياتها الكثير من الأخطاء والهفوات المستترة، وكثرة استخدام الحكايا الرمزية كوسيلة خداع فعالة تهدف إلى خداع الناس وإجبارهم على تصديق الخرافات العلمية على أنها حقائق واضحة.
بالإضافة إلى الحكايا الرمزية التي يعجّ بها المنهج العلمي الأكاديمي، هناك أيضاً ما نسميه التجربة الذهنية. وهي عبارة عن تجربة تقوم بها في ذهنك وتحصل على النتيجة ذهنياً دون أن يكون لها أي صلة بالواقع. لقد تم تطوير العديد من النظريات المحترمة جداً بالاعتماد على هذه الوسيلة فقط، أي دون الاستناد على أي إثبات ملموس على أرض الواقع. أحد الأمثلة المعروفة على هذا النوع من التجارب الذهنية تتناول اصطدام سيارة، ذات كتلة m تسافر بسرعة 50 وحدة في الثانية، بجدار صلب. هذه التجربة الذهنية تستعين بقانون نيوتن لإظهار قوة الجدار المقابلة على أنها متساوية ومتعاكسة، أي أن لها سرعة تبلغ 50 وحدة في الثانية. هذه الجدلية تستنهض عدة مفاهيم تقليدية خاطئة وسيئة التفسير، معتبرة هذه الحادثة الخيالية وكأنها واقعية بالفعل، حيث وجب على سيارتان تسافران باتجاه معاكس وبسرعة 50 وحدة في الثانية أن تصطدمان بقوة متساوية، دون منح أي اعتبار لكتلة الجدار. هكذا جدليات موهومة، عندما تم استخدامها لتفسير إما تصادم الإلكترون/فوتون والإلكترون/بروتون واجهت فشلاً ذريعاً لأنها لا تولي أي اعتبار للحركة النسبية وكذلك التأثيرات البيئية المحيطة. إن للسيارة المتحرّكة سرعة نسبية مع الجدار الثابت تقدر بـ 50 وحدة في الثانية، بينما السيارتان المتقابلتان تصطدمان بسرعة 100 وحدة في الثانية. هذا التوصيف يفشل عندما تكون السيارتان تسافران بنفس الاتجاه وتصطدمان بسرعة نسبية 50 وحدة في الثانية. مع أن السرعة النسبية قد تكون 50 وحدة في الثانية فقط، يمكن لاختلاف العزم أن يوفّر تأثيراً كارثياً. من أجل توضيح هذه النقطة، تأمّل ما يلي:
ـ اصطدام سيارتان تسافران بسرعة 100 و150 وحدة في الثانية بنفس الاتجاه.
ـ تُحسب الطاقة الحركية لكل سيارة وفق المعادلة التالية: KE = ½ m v 2
بعد مقارنة هذه الحالة مع حالة اصطدام السيارة بالجدار الثابت.
السرعة النسبية
السيارة A، سرعتها = 100
السيارة B، سرعتها = 150
½ m 2,500
½ m 10,000
½ m 22,500
1,250 m
<--- النتيجة لا تتساوى --->
B - A = 6,250 m
إن حصول هذه الحادثة فعلاً على الطريق، فإن السرعات متناسبة مع البيئة تؤثّر بشكل كبير على درجة الأضرار المترتبة نتيجة حادث اصطدام سيارتان تسيران بنفس الاتجاه. يزداد حجم الضرر مع ازدياد السرعة مع أن سرعة الاصطدام تبقى منخفضة نسبياً. يعتمد حجم الاصطدام على السرعة الفعلية بالتناسب مع مختلف حالات المنظومة البيئية المحيطة بحدث الاصطدام، بالإضافة إلى عوامل أخرى كثيرة، بما في ذلك مستوى القصور الذاتي inertia لدوران العجلات في كل سيارة، وكذلك محور المحرّك، وناقل الحركة.. إلى آخره.
تصميم وإعداد التجارب
خلال تصميم أي تجربة، وجب تبنّي الطريقة العلمية السليمة بشكل ملتزم ودقيق بحيث تستثني أي اعتبار للمعتقدات المسبقة والنظريات السائدة. وجب الحذر جيداً في هذه الحالات، حيث أن العلوم تقترف ادعاءات فظيعة من ناحية المعايير القياسية. بعض هذه المعايير تختلف من بيئة إلى أخرى ووفق حالات وظروف مختلفة، لكن العلم المنهجي تبنى هذه المعايير القياسية على أنها ثابتة في كل مكان وزمان ومهما كانت الظروف.
مهما كان الفرع العلمي، وجب على الطلاب احترام الأسباب وراء قبول المعايير القياسية بالإضافة إلى مبدأين رئيسيين وجب الأخذ بهما خلال البحث العلمي وإقامة التجارب والاختبارات:
ـ البحث التحليلي analytical
ـ البحث التركيبي synthetical
يعتمد البحث الكيميائي على كلا الوسيلتان. عند إخضاع مادة مجهولة للبحث، الخطوة الأولى في البحث التحليلي analytical تتمثّل بمعرفة العناصر التي تتألّف منها هذه المادة. الخطوة الثانية تتمثّل في محاولة تمييز الكميات المختلفة لهذه العناصر المؤلفة لهذه المادة أو المحلول. أما وسيلة البحث التركيبي synthetical فهي تعكس العملية، أي خلق مركبات معيّنة من خلال خلط مكوّنات ذرّية عبر الإضافة كيماوية لعناصر وجزيئات مختلفة. غالباً ما يكون التركيب الطبيعي المباشر للعناصر والمواد (مثل تشكيل حلقة البنزين من الغرافيت والهيدروجين) مناقض لطريقة الكيميائي في المخبر لأن الطبيعة تتبع طرق غير مباشرة وعبر آليات بيولوجية وجيولوجية مختلفة لإنجاز هذه العملية.
لقد ظهر مثال مشهور لهذه التقنية منذ قرنين من الزمن، عندما قام كل من "هنري كافانديش" Henry Cavindish و"جيمز وات" James Watt، وكانا يجهلان بعضهما وعملهما المستقلين، باستعراض محتوى الماء، عبر وسائل مختلفة، مبيّنان بأنه يحتوي على جزئين هيدروجين مقابل جزء واحد أكسيجين معبران عنها بالمعادلة التالية: 2 H2 + O2 = H2 O. ونتج عن خلط هذين الغازين ببعضهما ما يبدو أنه مخلوط غاز غير مؤذي في البداية حتى تأتي اللحظة الحاسمة التي يتم فيها تقريب شرارة أو لهب إلى هذا الغاز الجديد فيحدث تفاعلاً كيماوياً عنيفاً (انفجار). وجب الحذر الشديد خلال عملية شرح انفجار الأكسيجين/هيدروجين، حيث من المفروض أن ثلاثة أجزاء من هذا المخلوط الغازي يشكّل جزءاً واحداً من بخار الماء. في درجات الحرارة العادية، وجب على الانفجار أن يشكّل ماءاً سائلاً يكون حجمه أصغر من ألف على جزء واحد (1000/1 جزء)! ومع ذلك، خلال الانفجار الأوّلي، تنتج الحرارة المتحررة تمدداً كبيراً خلال قيام اللهب (النار) بتسخين البخار بشكل هائل، فينتج من ذلك كله قوة تستطيع تشغيل محرّك بستون (انفجار داخلي).
الطبيعة الفوضوية؟
لسوء الحظ، وصف "كافانديش" النشاط الجزيئي للغازات على أنه في حالة حركة وفوضى مستمرة ودائمة. وبما أن هذه التوصيفة الأوّلية بالإضافة إلى تفسيره الخاص شكّلا التفسير المقبول لدى المجتمع العلمي، أصبحت الفوضىchaos تمثّل الحجر الأساس للنظريات الكيماوية. رغم أن 200 سنة من الدراسات التالية قدمت نظرة مختلفة، لكن التزمّت والعقل المقفل الذي تميّز به القائمين على هذه المدرسة الكيماوية قاوموا بكل ما عندهم من قوة أي تغيير أو تعديل للنظريات البالية التي يتمسكون بها. خلال الفشل الواضح للنظرية الكهروكيماوية electrochemical theory (وحتى في تلك الفترة)، نمت نظرية الفوضى وترعرعت (في جو من عدم اليقين) إلى وهم كبير احتلّ العقول، فأصبحت هذه النظرية مع الوقت مقبولة وكأنها حقيقة كونية ثابتة، حيث أصبح من البديهي بالنسبة لكل عالم وأكاديمي القبول بأن النظام يأتي من الفوضى!! هل استخدم أحدهم عقله لبعض الوقت وتساءل: كيف يمكن للفوضى المطلقة وعدم التنظيم، وعبر آليات متناقضة وغير طبيعية منسوبة لقوانين الطبيعة التي لازالت مجهولة، أن تنتج التناغم، الدقّة، التناسخ والتطابق، والتنظيم المثالي الذي نجده في كل مكان من حولنا، إن كان على المستوى الكوني أو المستوى الجزيئي؟!!
من الناحية العلمية، لا يمكن استخدام الفوضى كنظرية قائمة بذاتها دون إدخال النظرية الاحتمالية، وبالإضافة إلى أنه وجب على كميات عشوائية لمحتويات عشوائية تدخل في تفاعلات عشوائية أن تنتج أحداث عشوائية مع محصلات ونتائج عشوائية، وبالإضافة إلى تشكّل رواسب تفاعلات العشوائية دون أي تنظيم محدّد، أو شكل محدّد، أو اصطفاف محدّد. ورغم هذا كله، نجد على أرض الواقع أن تفاعل المحتويات العشوائية تتبع تسلسل محدد، حيث تحصل أحداث محددة وفي أوقات محددة، منتجة رواسب تفاعلات بحيث يبدو أنها تتجمع اتكوّن أشكال جزيئية ذات شكل محدد، مجموعات محددة، اصطفاف محدد، وأخيراً نموذج محدد، كما لو أنها تتبع إرشاد قوة خفية عظيمة.
لقد أدّت المحاولات الحثيثة من قبل أتباع نظرية الفوضى لإيجاد الحجج والشروحات التي تشكّك في واقعية التنظيم الهندسي الخفي إلى بروز تناقض كبير في منهجهم العلمي الملتوي، واستمرّت كافة العلوم المنهجية في الإشارة إلى التفاعلات المختلفة في الطبيعة على أنها تستند على أساس فوضوي غير منتظم. من أجل شرح وتفسير النظام والتناغم المتجسّد في الطبيعة يتطلّب الأمر آليات وإجراءات عامة تجري على المستوى الذرّي والجزيئي، حيث تجري في هذا المستوى عملية اصطفاف، فرز، والتموضع، بينما تنتقل الطاقة بين المادة وأخرى. فمثلاً، معظم التفاعلات الكيماوية تستلزم تفاعلات فيزيائية حيث تجتمع الجزيئات والذرات، ثم تتفاعل لتحرّر أو تمتصّ الطاقة، لكن هذا يحصل عندما تتوافر الظروف المناسبة للتفاعل وكل ظرف محدّد يؤدي إلى حصول تفاعل محدّد.
إذاً فإن مظهر الفوضى وعدم التنظيم الذي تبديه الأشياء هو مجرّد خداع بصري يخفي وراءه تنظيم عظيم ومُدبّر مسبقاً. ومن أجل توضيح هذه الفكرة، استخدم مناصري التنظيم الحكاية الرمزية المشهورة باسم الفندق hotel، حيث توصف الحالة الفوضوية السائدة في المطبخ عند دخول مدير الفندق إليه. في هذه الحالة، فإن النشاطات الفوضوية الحاصلة في المطبخ (عمليات الطبخ والجلي وأصوات طقطقة الطناجر والصحون هنا وهناك..) ولّدت انطباع أوّلي لدى المدير بأن المطبخ في حالة فوضى عارمة، وهذا منعه من إدراك حقيقة وجود الانسجام الكامل بين العاملين والتعاون والالتزام في مهماتهم الموكلة إليهم، والدليل على ذلك هو المأكولات الشهية التي تخرج من المطبخ إلى الزبائن. أي أن الفوضى التي يتسم بها المطبخ ظاهرياً تخفي في طياتها تنظيم وإدارة وغاية تلزم جميع العاملين فيه.
رغم أن نظرية الفوضى تصرّ على افتراض التوزيع العشوائي المتجانس للمادة غير العاقلة في الكون، إلا أن تصرّف هذه المادة وسلوكها يشير إلى وجود آليات معيّنة مسؤولة عن هذا الانسجام والتنظيم الواضح والجلي. بدلاً من البحث في هذه الآليات الكامنة في الطبيعة، راحت العلوم تتطوّر متبنّية أفكار خاطئة مما زاد الأمر تعقيداً على مرّ السنوات، فنتج من هذا التوجّه الخاطئ ظهور نظريات ومفاهيم ليس لها أي علاقة بالواقع. إن الخطوط الحمراء التي وضعها القائمون على هذا المنهج العلمي بالإضافة إلى المفاهيم والمعتقدات الخاطئة التي تمسكوا بها وفرضوها بطريقة استبدادية أدت إلى رسوخ العقيدة الحالية التي يسلّم بها العلم العصري والمتمثّل بالطبيعة الفوضوية غير العاقلة للأشياء.
إن الجهل الكامل بالآليات الحاصلة على المستوى الذرّي لم تمنع الباحثين من إقامة الاختبارات، أو حتى تطوير النظريات المتناولة لطبيعة المادة، والطاقة، والتزاوج الكيماوي، وتركيبة الذرّة، والتوالد الإشعاعي، والمرونة، والرنين، وأخيراً الكهرباء والمغناطيسية. انطلاقاً من التأثيرات الحاصلة على المستوى الذري والجزيئي، لا يمكن للتأثيرات الحاصلة على المستوى الواقعي التي لوحظت بعد تطبيق طاقة معيّنة أن تُقاس سوى بتحديد التأثيرات الذرية والجزيئية التي تحصل نتيجة التفاعلات التي تولّدها المادة لتؤثّر على مادة أخرى.
عن طريق وصف الملاحظات المخبرية بمصطلحات ومعايير تستند أصلاً على نظريات غير مجدية ومقاييس افتراضية، بالإضافة إلى التحاليل التي أجريت وفق منظومات وشروط خاطئة، كل هذا ساهم في تفشّي الأخطاء والأوهام في كافة العلوم. وتم تجميلها وترقيعها عبر استخدام كم هائل من الحكايا الرمزية وكذلك التوصفات الموازية والمبسّطة بشكل كبير، هذه الأخطاء أيضاً أضيفت إلى المصيبة التي يعاني منها المنهج العلمي أساساً.
بدلاً من اعتبار الطاقة بأنها من عمل المادة أصلاً حيث تُنتج وتنتقل وتُكشف من قبل المادة، أصبحت الطاقة مهمة جداً بالنسبة للصناعة والاقتصاد الدولي والمجتمع العلمي لدرجة أن هذه الحقيقة تعرّضت للتحدي الكبير بسبب الطريقة الضخمة التي يتم فيها توزيع واستخدام الطاقة. في غياب أي مفهوم يتحدث عن المادة وتوالد الطاقة على أنها نموذج فريد من الطاقة، استخدموا المصطلح طاقــة على أنه يمثّل مفهوم قائم بذاته.
إن القبول بالأحداث التفاعلية للطبيعة أنتج نظريات توصيفية مستندة على تأثيرات وملاحظات قابلة للقياس، واعتبروها على أنها المسببات الأساسية، متجاهلين الآلية المستترة المسؤولة عن هذه المسببات. في تطوير المفاهيم العلمية والنماذج الرياضياتية التي تسمح بتنبؤ النتائج مسبقاً، تم قولبة التفسيرات وتحليل الملاحظات لتناسب قوالب المفاهيم الفيزيائية الوهمية، بالإضافة إلى النظريات الكيماوية وتلك التي تتناول المادة بشكل عام. عبر وصف ملاحظات مخبرية وهمية، إن كان عن طريق معادلات رياضية (تم تصميمها لكي تناسبها) أو مفاهيم ونظريات وهمية، أعاد العلم تعريف موقع الطبيعة في الكون، بحيث تم تحريف النموذج الفيزيائي الحقيقي لهذا الكون، وتجسّد ذلك بالفعل بعد ظهور نظرية تجميلية تهدف إلى ستر وتغطية كافة العيوب والهفوات المعشعشة في هذا العلم المنهجي. هذه النظرية هي النظرية الكهروكيماوية للمادة electrochemical theory of matter.
النظرية الكهروكيماوية
بعد ابتكارها عبر إقامة تفاعلات كيماوية في البيئة الأرضية، وكما العديد من الملاحظات المخبرية الوهمية الأخرى، برز ما نعرفه بالتأثير الكهروكيماوي electrochemical effect. هذا الخطأ الرئيسي الذي فرّخ كم هائل من الأخطاء الكبرى، والذي أصبح عقيدة قائمة بذاتها، أصبح معروف بالنظرية الكهروكيماوية. وقد ظهر بعدها الكثير من النظريات التجميلية لترقيع وستر عيوب النظرية الأم (الكهروكيماوية)، بالإضافة إلى دعمها والتثبيت من مصداقيتها على حساب الكثير من النظريات الأخرى التي كان لها نظرة أخرى حول الطبيعة وآلية عملها. على مدى قرنين من الزمن، حورب الكثير من النظريات التي تحدّت مصداقية هذه النظرية الكهروكيماوية القائمة وتم إبعادها تماماً من الساحة الأكاديمية المحترمة. يبدو أن العلوم المنهجية فضّلت البحث عن الحقيقة عبر النظريات وليس في رحاب الطبيعة!
بعد أن انسحبت العلوم من رحاب الطبيعة وتمركزت في عروشها العاجية في الأكاديميات والمختبرات، بدأت النظريات التجميليةcosmetic theories (مهمتها الترقيع والتستّر على الهفوات) تسترسل في إقامة توصيفات لا أساس لها بخصوص المظاهر الطبيعية المختلفة، حيث كانت تعتمد ليس على مشاهدات عينية أو ملاحظات مباشرة بل استمدّت الحقائق والبراهين من النظريات الوهمية القائمة مسبقاً، والتي كانت متناقضة والتفافية وليس لها علاقة بالحقيقة.
طوال فترة القرن التاسع عشر، بقيت كل من الكهرباء والمغناطيسية والسلوك الكهربائي عصيّة عن التفسير. رغم أن استخدام مصطلح "التيار الكهربائي" أصبح شائعاً ومألوفاً عبر الوقت وكثرة الاستخدام، إلا أن طبيعة هذه الظاهرة (التيار الكهربائي) بقيت مجهولة وغامضة تماماً حتى اليوم! فلا زال الجميع يعتمدون على مفهوم زئبقي وخاطئ بخصوص هذا الشيء الغامض، لكنهم أجمعوا على تقبّل فكرة تتمثّل بقطعة سلك ناقل مسؤول عن نقل جزيء غامض عبره، كما يجري الماء داخل أنبوب، لكن الحقيقة لا زالت مجهولة حتى الآن. لا أحد يعلم ما هي الكهرباء اليوم! حتى الفيزيائيين والمهندسين الكهربائيين!
أما نتائج الاختبارات التي تحدّت النظريات الأكاديمية القائمة (والتي من المفروض أنها تمثّل الحقيقة) تعرّضت للهجوم وتم استبعاد واقعيتها عن طريق التفسيرات الالتفافية. كانت ولا زالت الكهرباء، كما باقي الظواهر الأخرى، توصف وتُعرّف فقط عن طريق النظريات القائمة وليس غيرها، ووجب على الجميع القبول والانصياع دون تحدي أو مجادلة أو محاولة تصحيح أو تعديل! في هذا الوضع، وعبر السنوات اللاحقة، ظهرت توصيفات متناقضة للمادة وخواصها، مع ظهور مبادئ وقوانين معقّدة والتفافية، وكل منها تدعي بأنها ولّدت تأثيرات فريدة وخواص معيّنة في نفس المادة وجميعها تختلف عن بعضها البعض. لقد امتنع المجتمع العلمي عن دراسة إمكانية وجود آلية واحدة عامة وشاملة مسؤولة عن كافة التأثيرات الملحوظة في المادة. وكنتيجة لهذا التقصير أو الإهمال أو التجاهل، برز الكثير من الأشياء الغامضة خلال محاولات تفسير سلوك المادة وطبيعتها (مثل شفافية الهواء، ظاهرة الأوراق الذهبية، قطرة الماء، الزيت، حجر من الكالسيت Calcite، البلاستيك، الزجاج…) جميع هذه المظاهر وُصفت وتم تعريفها وفق النظريات السائدة وليس سواها، فظهرت نظريات جديدة تستند على النظريات القديمة الخاطئة أصلاً، فتعاظمت المصيبة أكثر وأكثر. وبالتالي، مع كل اكتشاف جديد برز ألف سؤال وسؤال.
لا زال الكثيرون يفترضون بشكل خاطئ بأن مصداقية النظرية وجدواها تستند على عدد التوقعات الصحيحة التي قامت بها طوال فترة استخدامها. لكن في الحقيقة، إن طول عمر النظرية لا يثبت مصداقيتها وجدواها، خاصة وأن الكثير من الاستثناءات والغوامض غير المُفسّرة لم يجدوا لها إجابات شافية وفق تلك النظرية. لقد عانت تفسيرات "فاراداي" للمجال المغناطيسي من مجموعة تبسيطات متناقضة لأمور أساسية. لقد أستخدم معلومة "التدفّق المغناطيسي" magnetic flux (أي الجريان المغناطيسي) في الوقت الذي كان فيه يعرّف خط القوى line-of-force ككيان حقيقي فريد من نوعه، أي: شيء له حجم ووزن ومحتوى، بدلاً من وصفه على أنه خط كفافي على خريطة تظهر مناطق القوى والضغط أو نسبة الجريان. مع أن التدفّق يبدو وكأنه نوع من الأربطة المتواصلة غير المكسورة، والمجالات المغناطيسية تتصرّف بشكل سيولي، وأن التدفّق لا يحتاج إلى أن يبقى ملتزماً بنفس الربطة (العروة) خلال المحافظة على استمراريته داخل وعبر وبين المواد.
من العلاقة بين الآلية الذرية التي تولّد المجال، وتأثيرات هذا المجال الملحوظة، اختار "فاراداي" الطريق الأسهل، مشيراً إلى التأثيرات الملحوظة للمجال كوسيلة لمعرفة أو توقّع التأثيرات الناتجة من الإجراءات المجهولة والآليات المسؤولة عن التأثير على المادة في المستوى الذري. خلال تطوير الأدوات الرياضياتية الأساسية التي تستطيع حلّ المسائل المتعلقة بأحداث هذا المجال، أدى استخدامه للملاحظات الوهمية إلى إلغاء أو التخلي عن البحث عن أي آلية مسؤولة في التأثير على المادة في المستوى الذري، مثل آليات مسؤولة عن خلق وتوالد تأثيرات مجالية مغناطيسية وكهربائية في المادة.
إن معظم النظريات الرياضياتية العصرية التي توصف النظرية المجالية field theory جاءت من أعمال "جيمز كلارك ماكسويل" الذي نجح في العام 1864 بجمع أعمال "أمبير" و"كولومب" و"فاراداي" و"لينز"، و"أورستد"، و"أوهم"، والكثير غيرهم، في نظرية مجالية شاملة ومتكاملة، مستخدماً الديناميكية السيولية fluid dynamics للأيثر ?ther المنتشر في كل مكان. سوف يتم تبسيط معادلاته المعقّدة فيما بعد (وقد تم قضم الكثير منها)، أي خلال تطوّر النظرية الكهربائية في القرن العشرين. بدلاً من تعريف نظرية المجال بأنها نظرية تخصّ المادة، يتم توالده من قبل المادة على المستوى الذري، استندت معادلات ماكسويل مباشرة على الملاحظات الوهمية التي تم قياسها وتدوينها مسبقاً. بما أن نموذجه الرياضياتي قام بتعريف التقنيات المطلوبة لوصف التأثيرات المباشرة الملحوظة لأي آلية مجالية سيولية، فيمكن إجراء توقعات دقيقة عند تطبيق هذه المعادلات على أي وسيط سيولي، دون تحديد الآلية التي تخلق المجال المتشكّل في ذلك الوسيط.
فمثلاً: إن تكييف الهواء بواسطة عدد من المراوح الكهربائية المتقاربة (كل منها مثبّت في داخل أنبوب اسطواني معلّق ومتوازن) تنتج قوى مشابهة لتأثيرات المجالات الكهربائية أو المغناطيسية. يتم التجاذب بين الاسطوانات عندما تكون مصطفة في وضعية تسمح فيها بمرور التيار الهوائي عبر كافة الاسطوانات، لكن عندما تكون الاسطوانات مصطفّة جنباً إلى جنب بشكل عشوائي، تبدأ قوى النفر بتحريك الاسطوانات حتى تصطفّ بطريقة تجعل التيار الهوائي يمرّ عبرها جميعاً عن طريق المسار الأقلّ مقاومة. إن كل اسطوانتان متقابلتان بنفس جهة جريان الهواء، إن كان شفط متقابل، أو نفخ متقابل (كما الأقطاب)، تنتج هذه الحالة تأثيرات تنافرية. هذه الآلية تتعلّق بجريان الهواء، حيث أن العلاقات الجزيئية في الجو المحيط والضغط الجوي ينتج نفس المشاهدات الوهمية.
إن البنية الرياضياتية العبقرية لماكسويل والتي توصف الديناميكية السيوليةfluid dynamics ، ورغم إمكانيتها للعمل كأدوات ملائمة ومجدية، إلا أنها لا تثبت مصداقية وواقعية النظرية الكهرومغناطيسية. وجب التمتع بالحذر الشديد خلال تطبيق معادلات ماكويل على المستوى الذري، لأن المشاهدات الوهمية الحاصلة على المستوى الطبيعي فشلت في وصف تفاعل الآليات الجزيئية والذرية المسؤولة عن كافة التأثيرات الملحوظة القابلة للقياس. مع معرفة حقيقة أن المجال هو من إنتاج وتعزيز المادة، يمكن بسهولة تطبيق معادلات السيولة اماكسويل، دون حصول أي تناقضات، على النموذج الميكانيكي للأيثر ?ther. ينتج المجال المغناطيسي الماغنو ـ ميكانيكي الذرّي أساس ميكانيكي مجدي لترجمة تظرية ماكسويل الكهرومغناطيسية وكذلك تأثيراً أيثرياً ?ther effect متولّداً من المادة عبر الكون. إن آلية الطبيعة المسؤولة عن النظام والتناغم ونقل الطاقة يشمل الإجراءات المغناطيسية ثلاثية الأبعاد للمادة والتي تتواصل، وتصفّف، وتنقل، وترتّب وتبني المادة على المستوى الذري والجزيئي، بينما تقوم بنقل الطاقة مغناطيسياً من مادة إلى أخرى عبر استخدام نماذج مختلفة من الطاقة.
مع تقبّل الفيزيائي البريطاني "أيرنست روثرفورد" Ernest Rutherford لنظرية "ديفي" الكهروكيماوية دون أي إثبات أو برهان، أدت تفسيراته وتحليلاته للأوهام التي تستخدم النموذج الكهروكيماوي السائد إلى ظهور الكثير من الادعاءات الباطلة بخصوص بنية الذرة. رغم أن نموذج الذري لروثرفورد ذو الغيمة الإلكترونية يناقض كل من نظرية الدوران، والثيرموديناميك، والجاذبية، والكهرباء، والمغناطيسية، والكهرومغناطيسية، لكن المجتمع العلمي احتضن هذه الفكرة معبرها استثناءً وأعظم من أن تكون محط جدال أو تشكيك. والوسيلة الوحيدة لفرض هذا النموذج وإثبات صحته تتمثّل باستخدام الحكايا الرمزية والقبول الأعمى دون حاجة للاستناد على برهان، أو ربما ترتيب الكواركات quarks (الوهمية أصلاً) مع بعضها دون تحريف.
بالرغم من أن الأبحاث الأخيرة تمكنت من إثبات عدم جدوى نموذج "روثرفورد" من خلال وضع الذرات في قمة "نفق الميكروسكوب الإلكتروني الماسح" scanning tunnelling electron microscope، لكن الكيمياء المنهجية امتنعت عن تصحيح أو تعديل الخطأ في النظرية الذرية والكيماوية بسبب التكلفة المادية الباهظة المترتبة نتيجة تغيير منهج كامل، أو ربما للحفاظ على ماء الوجه!
ربما يكمن المثال الأكثر مأساوياً الذي يكشف عن تطوّر ونمو التعصّب العلمي وانغلاقه للأفكار الجديدة هو في مجال الكهرباء والمغناطيسية حيث أدت المشاهدات الوهمية التي تم مراقبتها وقياسها إلى ظهور نظرية كهربائية بعيدة كل البعد عن الواقع الحقيقي للطبيعة. كلما ظهرت نظرية إضافية في هذا المجال كانت تستند على النظرية الأساسية الخاطئة أصلاً وبالتالي زاد البعد عن الحقيقة أكثر وأكثر. بما أن الشحنات الكهربائية ذات الأقطاب المتشابهة تتنافر، والأقطاب المتعاكسة تتجاذب مشكلة مجالاً كهروستاتياً على أسطحها، ورغم الإثباتات التي تم مشاهدتها مثل الطبيعة الآنية والنسبوية للمجال مما يشير إلى مجال جريان على المستوى الجزيئي، إلا أن هذه المشاهدات تم تفسيرها بالاعتماد على افتراضات مُتفق عليها مع أنها خالية من أي أساس صحيح، مانحة للإلكترونات الافتراضية أصلاً قوة نفر تبادلي وشحنة دائمة على المستوى دون الذري.
يكشف تاريخ النظرية الكهرومغناطيسية عن عدة مسائل أساسية واجهت الباحثين، حيث من المفترض أن التكنولوجيا التي تطوّرت من تلك النظرية أن تؤدي إلى تصحيح النظرية. لكن لسوء الحظ، لأن الأخطاء الكامنة منذ الأساس كانت مُقدّسة ومقبولة على أنها حقائق ثابتة لمدة طويلة من الزمن، راحت التحسينات والنظريات التجميلية المراعية لتلك المسلمات تزيد من بعدها عن الحقيقة أكثر وأكثر.
في عملية تسويغ النظرية الكهرومغناطيسية أثناء تأسيس المعايير الأساسية العالمية international establishment of basic standards في بداية القرن العشرين، لم يُسمح أبداً للحقيقة أن تُفسد حكاية جميلة، لأن الاعتراف بخطأ النظرية يعني فقدان كبير لماء الوجه، بالإضافة إلى أن الأمر سيتطلّب إعادة كتابة النظريات العلمية من البداية، لأن كل النظريات مترابطة ومتسلسلة وتنفذ إلى بعضها البعض، وطبعاً كلها خاطئة ووهمية، وبالتالي فتغير واحدة منها يُعتبر أمراً مستحيلاً! من خلال امتناعهم عن تصحيح الأخطاء الأساسية، قام المجتمع العلمي بخذلان العلم الأصيل عبر تبني مواقف ملتوية والتفافية لتجنّب الفضيحة. حيث الشعار كان: عندما تتناقض الملاحظات المخبرية مع النظريات التقليدية، وجب أن نعاملها كاستثناءات أو غوامض.. وجب تجاهلها.. أو ربما نبيّنها على أنها بدعة.. نشرح عدم جدواها أو نستبعدها عن طريق تهميشها.. وننتظر حتى تأتي نظرية جديدة في المستقبل وتنقذنا من هذه الورطة!
بالاعتماد على أعمال "غيلبرت" (كتابه المشهور "المغناطيس" De Magnete)، بنى "أتو فون غوريك" آلة احتكاك بسيطة حيث تم إنتاج الشرارات عن طريق تدوير كرة من الكبريت. حوالي 1720، تمكن "ستيفن غراي" من التميز بين النواقل الكهربائية والعوازل. في العام 1729، مرّر "غرانفيل ويلر" شحنة كهربائية عبر خيط عازل طوله 270 متر. خلال هذه الفترة في أوروبا، كانت الاستعراضات الكهروستاتية تعتبر أدوات تسلية للبلاطات الملكية.
أوّل آلة كهروستاتية تُصنع من قبل "أوتو فون غوريك"
قضى "بنجامين فرانكلن" (1706 ـ 1790) عشر سنوات محاولاً خلالها فهم واستيعاب المجال الكهربائي. والكثيرون اليوم يفترضون خاطئين بأنه المخترع الأوّل للكهرباء، ذلك عبر المنظر الفني المشهور المتمثّل بإمساكه بطرف خيط مربوط بطائرة ورقية، ويتخلله مفتاح.
فارنكلين والطائرة الورقية المشهورة
بسبب تركيز الرسامون على هذه الوضعية المشهورة لبنجامين فرانكلن والمفتاح والطائرة الورقية، والبرق يلمع في الجو، مات العديد من الأشخاص الغافلين نتيجة تصديق هذه العملية الخطيرة جداً حيث طبقوها عملياً ولقوا حتفهم في الحال!
يفترض البعض بأن فرانكل هو الذي ميّز نوعين من الشحنة الكهربائية، عندما عرّف ثلاثة حالات مختلفة للشحنة الكهربائية التابعة للمادة. لقد ميّز فرانكلين هذه الشحنات فلسفياً مع استخدام رموز رياضياتية، فاختار الرمز [+] للإشارة إلى الشحنة الموجبة، والرمز [-] للإشارة للشحنة السالبة، وأي شيء مجرّد من الشحنة أشار إليه بأنه بملك شحنة حيادية أو معادلة. تم قبول هذه المواصفات للشحنة الكهربائية، وعبر 200 سنة من شيوع استخدامها واكبها تقم كبير في مجال الكهرباء. دون أي إثبات للطبيعة الحقيقية للشحنات، اقترف فرانكلن خطأ فادح عندما عرّف التيار الكهربائي الجاري في سلك ناقل بين شحنتين على أنه ينتقل من الشحنة الموجبة الفائضة إلى الشحنة السالبة الناقصة. (سوف أشرح هذه الجدلية في مكان آخر)
خلال هذه الفترة، أدى غياب المعايير والقياسات الثابتة، وكذلك أدوات اختبار البدائية، إلى خروج الكثير من الباحثين عن المسار، كل يعمل على مزاجه طريقته الخاصة. وحالة التشتت هذه دفعتهم في النهاية إلى القبول بمنهج عام يوحّدهم ويجمعهم في مسار واحد، وهذا أدى إلى تقبّل النظرية الكهربائية الملتوية التي تطوّرت أصلاً من مفهوم خاطئ. في العام 1767م، راح "جوزيف بريستلي" يستكشف الكهرباء الستاتيكية بالاعتماد على ملاحظات فرانكلين وقانون نيوتن حول الجاذبية، فتعرّف على تأثير غريب حيث عندما توضع الأشياء داخل إناء معدني مكهرب تمتنع عن الانجذاب نحو سطح الأرض. هذه الملاحظة الموهومة أدت بـ"بريستلي" إلى موازاة المجال الكهربائي بمجال الجاذبية، معبراً عن القوة بين الشحنات الكهربائية بأنها تتفاوت وفق مربع المسافة الفاصلة. في العام 1772م، أكّد "هنري كافانديش" الثبات الواضح في تأثير قانون المربع المتعاكس inverse square law لنيوتن، مصادقاً بذلك على ملاحظة "بريستلي".
في العام 1785م، قام "أوغوستين دي كولومب" بحذر بقياس القوة المتنافرة بين شحنتين متشابهتين مستخدماً ميزان تورسوني torsion balance، معلقاً قضيباً مشحوناً على ألياف مطاطية مرنة. رغم أن تجربته قابلة للنجاح أيضاً في حدود أنبوب زجاجي وكذلك داخل وسيط، إلا أن كولومب أثبت جدوى قانون المربع المتعاكس inverse square law لنيوتن. أعادة هذه التجربة ثانيةً مستخدماً التأثير التنافري بين أقطاب مغناطيسية متشابهة فأكّد مرة أخرى العلاقة المتضادة بين القوى مع عامل المسافة. وبالتالي أصبحت ثلاثة معادلات متشابهة قابلة للتطبيق على نظريات مجال مختلفة. هذه المعادلات ليس لها علاقة مباشرة بالقوة المتوالدة داخل أو خارج منظومة قصور ذاتي!
قوة الجاذبية لنيوتن
القوة الكهربائية لكولومب
القوة المغناطيسية لكولومب
F = G ( m1 .m2 ) / d2
F = k ( q1 . q2 ) / d2
F = k (p1 . p2 ) / d2
G , the gravitational constant
الثابت الجاذبي
k , the permittivity
الإجازة
k , the permeability
النفاذية
ملاحظة: بالرغم من الاختلافات الواضحة في خواص الحقول وميزاتها وتأثيراتها، ومن دون أي مفهوم عملي للمادة، ولا آلية أو إجراءات، قام المنظّرون الفرضيون (بما فيهم أينشتاين)، وهم مقتنعون بتشابه معادلات الحقول الثلاثة، باقتراح نظرية مجال موحّد. بعد موت "أينشتاين"، قام المتعصبون للنظرية النسبية، في محاولة لإثبات صحّة معتقدات أينشتاين، بالاعتماد على التعقيد الرياضياتي بالإضافة إلى التنظير والتكهن والخرافة، مطوّرين في النهاية نظرية مجال موحّد unified field theory دون أي أساس ولا آلية أو برهان. فكانت تستند بالكامل على تحزيرات نظرية، وتكهنات، وأخطاء. لقد ابتدع الفيزيائيون والرياضياتيون عملاً خيالياً مذهلاً دامجينه مع خمسة أبعاد افتراضية مجهولة خلال توحيد كل من المجال الكهربائي، المغناطيسي، والجاذبي، مع استثناء كافة البُنى المجالية الأخرى وكذلك الأوساط المتوالدة propagation mediums التي تُطبّق عاليها معادلات ماكسويل المجالية.
منحت طبيعة تجربة كولومب باحثي تلك الأيام حرية كبيرة لأنه ما من حاجة لمعرفة أو قياس قيم قوة الحقل. إن القياس الوحيد المطلوب هو معرفة درجة فتل التورسون في المطاط المرن. من خلال التعامل مع كميات شحنة كهربائية q مجهولة، وكذلك قوة المجال المغناطيسي p، نسب كولومب قياساته للقوة المخزّنة في المطاط المرن المقابل لعملية الفتل، وهي قوة يمكن قياسها مقابل الجاذبية الأرضية للكتلة. بينما تترشّح الشحنة الكهربائية إلى الوسيط بمعدلات معيّنة، تؤكّد قيم الشحنة النسبية، المأخوذة في أوقات مختلفة، حصول مضاعفة في المعادلة بسبب قيم القوة المختلفة التي حصل عليها. لقد سمح هذا التصميم البدائي والبسيط للتجربة باستنتاج جهود شحنة مختلفة وغير ثابتة، وكذلك الحال مع قوى المجالات المغناطيسية. صحيح أن التلاميذ العصريين اليوم يحوزون على أجهزة قياس فولطية، وقياس شدّة المجالات، ومراجع قياس وتعيير، وغيرها.. لكن وجب على التلميذ أن يضع نفسه مكان الباحث كولومب ويتصوّر كيف كانت الحالة البدائية في مختبره المتواضع، محاولاً وفق هذه الظروف القاسية أن يحدد شدة المجالات الكهربائية دون استخدام أي من أدوات الاختبار العصرية. ربما كان يستخدم مقياس كهربائي بدائي ذات الأوراق المعدنية، ومرطبان ليدن كمكثّفة... وهكذا.. وجب العلم بأن شدة المجال الكهربائي كونه تأثيراً نسبوياً، فبالتالي ترشيح الشحنة يعتمد على الكثير من المتغيرات بما فيها درجة الرطوبة الجوية وكذلك مستوى الشحنة في الجو.
المقياس الكهربائي الشائع خلال بدايات استكشاف الكهرباء
عبارة عن مرطبان زجاجي وفي داخله ورقتين معدنيتين
في العام 1790م، حقق البروفيسور في مجال التشريح بجامعة "بولونا" Bologna، "لويجي غالفاني" اكتشافاً مثيراً. تمكن من إحداث اختلاجات في أطراف ضفدع ميت عندما لامست معادن مختلفة أعصابه. بعد 2000 سنة من اختراع الخلية الكهربائية في بابل، أعاد "غالفاني" إحياء هذه الأداة لكن بنموذج بسيط مؤلف من معدنين مختلفين. رغم أن الكثيرون يعيدون الفضل إلى "غالفاني" بأنه مخترع الكهرباء، إلا أن الطاقة التي استكشفها ليس لها علاقة بالكهرباء التي نعرفها. لقد كان "غالفاني" طبيباً وليس كهربائياً. (سوف تتعرفون على المزيد حول هذا الموضوع في مكان آخر من هذه الدراسة).
بعد أن استخلص "أليساندرو فولتا" آلية "غالفاني" المُستكشفة بأنها ذات طبيعة كهربائية أكثر من كونها بيولوجية، أخذ أبحاث "غالفاني" وطورها، واجداً وسائل كيماوية مجدية لتوليد الكهرباء. بما أن كثافة النشاط الكهربائي في تلك الخلية البسيطة عجزت عن فتح ذراعي أوراق المقياس الكهربائي (في تلك الأيام لم يكن مألوف سوى الكهرباء الستاتيكية)، ظنّ فولتا بأن العيب يكمن في ضعف التيار الذي تولده الخلية، فأضاف المزيد من الخلايا المعدنية المزدوجة مكوناً كومة طويلة أصبحت معروفة بـ"كومة فولطا"(عام 1800). رغم أن هذا النوع من الكهرباء غير قابل للقياس (التأثير في أوراق المقياس الكهربائي) إلا أن فولطا استطاع استعراض الظاهرتين المألوفتين للكهرباء، وهي توليد شرارات وكذلك الصدمات الكهربائية. (سوف تتعرفون على المزيد حول هذا الموضوع في مكان آخر من هذه الدراسة)
تمكن توليد الكهرباء كيماوياً من تمييز عدة اعتبارات مهمة. لقد أستعرض فولطا كيف أن وصل عدة خلايا وبطاريات ببعضها بشكل متسلسل أدى إلى زيادة فرق الكمون بين المنفذ الأوّل والأخير. وكما أن الحلقة الأضعف في سلسلة الخلايا تؤثّر على قوة السلسلة بالكامل، كذلك الأمر ينطبق على سلسلة البطاريات حيث الخلية الأضعف تخفض من قوة التيار الكهربائي الناتج من سلسلة البطاريات. وكذلك تبيّن أن التوصيل المتوازي للخلايا الكهربائية يزيد من جريان التيار (دون إحداث تغيير ذو قيمة في فرق الكمون).
سلسلة بطاريات فولطا
في نفس السنة، تقدم الدكتور "جون دالتون" بفرضية عبقرية واصفاً المادة، مقترحاً ببساطة وجود ذرات فريدة وغير قابلة للانقسام، فهي موجودة كعناصر نقية. إن مركّبات الأجسام المختلفة متشكلة من تجمّع هذه الذرات بنماذج مختلفة، ذرة على ذرة، ذرة على اثنين،.. وهكذا. الذرة المركبة، أو الجزيء، توصل نفسها بنفس الطريقة إلى مركب ذري من نوع آخر، فينتج مركّب المرحلة الثانية combination of the second order، حيث وجب أن يكون المركّب المتشكّل محدّداً، أي محتوياً على نفس عدد الذرات وتوزيعها، وجميعها مرتّبة بنفس الطريقة. بما أن العناصر تملك أوزان ثابتة مختلفة، تدعم هذه الفرضية وجود أسباب ملائمة لتفسير القانون العددي للتركيب الكيماوي وكذلك قانون النسب المتعددة the law of multiple proportions.
لم يطول الوقت قبل أن يحوّل "كروكشانك" Cruikshank منظومة خلايا فولتا المتسلسلة إلى بطارية واحدة قائمة بذاتها. ذلك عن طريق اصطفاف صفائح من الزنك والنحاس الملحومة ببعضها وملصوقة في حُجر متسلسلة على طول حوض من خشب الماهوغاني (أكاجو)، ويفصل بينها قواسم من الخشب أو الفلّين. لكن بسبب الحمض الموجود في محتوى المحلول، (100 جزء ماء مقابل 2.25 جزء زيت الزاج vitriol و2 جزء من حمض الآزوت Nitric acid)، اضطرّ أخيراً إلى استبدال حوض الخشب بحوض من الفخار.
كروكشانك يبني نموذججديد من البطارية
كما بيّنت في السابق، ينقسم البحث الكيماوي إلى قسمين: التحليلي والتركيبي. قام "هومفري ديفي" (1729 ـ1829) بعكس هذه العملية. جادل بأنه إذا تم تغطيس قطبي بطارية قوية في أي محلول كيماوي، فلا بد من أن تنفصل العناصر المركبّة التي تؤلفه. بما أنه كان يملك إحدى أفضل البطاريات في أوروبا خلال تلك الفترة، قام بعكس العملية، مستعرضاً أوّل علمية تحليل كهربائي، وبعدها راح يطبق هذا النوع من التحليل بالكهرباء على محاليل مختلفة مكتشفاً بأن المركبات الكيماوية الأرضية هي عبارة عن تشكّل بين الأكسيجين وأسس معدنية. لقد زاد إحباط "ديفي" خلال تعامله مع الأملاح القلوية alkali salts لأنها رفضت الكشف عن أسرارها. رفضت التفكّك في المحلول. وفجأة راودت "ديفي" فكرة ذكية عام 1807م تتمثّل بإجراء تحليل كهربائي جاف على الأملاح القلوية الكريستالية. عبر هذه الطريقة، تمكن "ديفي" من تحرير الصوديوم المعدني في الهواء من الملح العادي. وعندما بدأ هذا المعدن يتأكسد بسرعة، أدرك بأن تفاعلية هذا المعدن منعته من التخلي عن المحلول. كمية صغيرة من الصوديوم المعدني الساقط على الماء خلق تفاعلاً خاطفاً، حارقاً الماء ومحرراً الهيدروجين. لكن المشاكل التفاعلية برزت مع معادن قلوية أثقل حيث اشتعلت مجرّد أن تعرّضت للهواء.
بطارية ديفي العملاقة
بدأ "ديفي" و"فولتا" وآخرون غيرهما يبحثون عن أسباب مجدية لتفسير الاختلاف الكبير في كثافة التفاعلات الملحوظة في محاليل عادية (مثل الماء المالحة، كبريتات النحاس، أو الخلّ) الواقعة بين أزواج مختلفة من الأقطاب (مثل الزنك أو النحاس مقابل النحاس، الفضة، الحديد، أو القصدير). في حالات معيّنة، ينجذب العنصر إلى المنفذ السالب، بينما في حالات أخرى ينجذب نحو المنفذ الموجب. بهذا، بيّن "ديفي" أن ما نسميها العناصر النادرة rare earths هي أكسيدات معادن بدلاً من كونها عناصر. ميّز الهيدروجين على أنه يمنح الحموض خواصها وميزاتها. بعدها بقليل، قام "ديفي" بتوظيف مُجلّد الكتب "مايكل فاراداي" (1812م) كمعاون له (وبدأت بعدها شراكة مميّزة بين الاثنين). في العام 1823م، اقترح "ديفي" طريقة لمنع الصدأ وتآكل الثقالات النحاسية المُثبّتة في قواعد السفن.
فاراداي، من مجلّد كتب بسيط إلى أشهر الرموز في مجال الكهرباء
بعد إصابته بالإرباك والحيرة حول الطبيعة غير التامة للنسبة المتفاوتة للجريان الكهربائي واختلاف المحتويات التفاعلية ورواسبها، كلها لوحظت بين الأحواض الكيماوية والتفاعلات الكيماوية المتعلقة بأقطاب معدنية مختلفة، طلب "ديفي" النصيحة من "فاراداي". وقد نتج من جواب "فارادي" مصطلحات جديدة، مبسّطة جداً، مما دفع "ديفي" إلى استكشاف وتسويق فكرة "التزاوج الجزيئي" molecular bonding على أن لها طبيعة كهروكيماوية. من دون أي إثبات أو آلية ذرّية، راح "ديفي" يصنّف ويجدول العناصر الـ63 المعروفة، عن طريق معدلات التزاوج والوزن الذرّي، وخرج أخيراً بنظام بسيط جداً يستطيع التنبّؤ مسبقاً بنتائج التفاعلات. عبر وسائل تحليل تنبؤية خاطئة ومشكوك بأمرها، استخدم جزيء وهمي يُدعى الإلكترون electron كوسيلة للتفاعلات الكيماوية. قبل ظهور أي مفهوم يتعلّق بجدول التسلسل الذري للعناصر، تبيّن القائمة التالية (تعود إلى الفترة بين 1840 و1850) تصنيفات مختلفة للعناصر المعروفة.
إن عنصر هاليدي halide أو ميحاد monad كهروـ سالب غير معدني مجتمع مع معدن ميحاد كهرو ـ موجب أو عنصر قلوي يحرر إلكتروناً واحداً، مشكّلاً ملحاً تظهر محتوياته علاقة موحّدة. ذات العلاقة الموحّدة تظهر عندما يجتمع عناصر زوجية مشحونة بشكل متعاكس، محررة إلكترونات. لم يحاول "ديفي" في فرضيته أن يفسّر طريقة أو آلية عمل هذا الربط أو التزاوج الكيماوي. هذه المسألة سوف تبرز إلى السطح بعد قرن كامل من الزمن، أي عندما يلاقي نموذج "روثرفورد" الذري فشلاً ذريعاً في توافقه مع النظرية الكهرومغناطيسية، ومعادلات ماكسويل، والنظرية المدارية الأساسية basic orbital theory، أو حتى لتفسير النظرية الكهروكيماوية والتزاوج الكيماوي مع احترام التنافر الكهروستاتي لكل غيمة إلكترونية ذرية. من أجل فرض هذا النموذج الذري الخاطئ بالقوة، تشكّل فرع ثانوي في كل من الفيزياء والكيمياء وميكانيكا الكم، فقط من أجل جعل هذه النظرية تلاقي مكاناً لها عبر البروبوغاندا.
كون كل شيء بدا كاملاً، بدأت الفرضيات المناسبة والمسلمات الجدلية التي توصف المشاهدات الوهمية للمادة تتوافق مع نظرية "ديفي" (الكهروكيماوية). كون النظرية الكهربائية لازالت في مرحلة الطفولة، مع توجّه عدة مشاهدات وهمية نحو تشكيل الأسس المناسبة للنظرية الكيماوية، ومع السماح لظهور عدة باحثين يوصلون النظرية الكيماوية بالنظرية الكهربائية، تم تكريس هذا المنطق على أنه الحقيقة عبر إطالة مدة استخدامه، دون أن يستندوا بذلك على أي آلية معروفة أو برهان ملموس. مع مرور الوقت، أدى اكتشاف عناصر جديدة وإتباع وسائل متطورة للاختبار والفصل الكيماوي إلى ظهور عدد متنامي من الاستثناءات الكيماوية! بعض العناصر امتلك بُنى متعددة الربط multiple bonding structures وهذا منافي تماماً للنظرية الكهروكيماوية، بينما ظهرت تفاعلات أخرى نشاطات تفاعلية غير ملتزمة بالمعايير المتبعة، محررة إلكترونات بمعدلات تختلف عن المقاييس الطبيعية. أصبحت تتناقص تفاعلية العناصر الهاليدية halide elements مقابل تنامي الكتل الذرية، بينما أصبحت المعادن القلوية الأثقل أكثر تفاعلية.
مع حلول العام 1816م، كان النظرية الكهروكيماوية قد انتشرت في جميع أنحاء أوروبا وأمريكا، وأدى تطوير التصاميم وتعديلها إلى تحسين مستوى إنتاج الخلايا للكهرباء بالإضافة إلى طول عمرها. بعد مواجهة مشكلة كبيرة تتمثّل بتآكل المعادن الثمينة (الأقطاب) المغمورة في المحلول الحمضي لخلية البطارية، وجد "وليام ولاستون" حلاً مجدياً بالنسبة لتلك الفترة، حيث صمم طريقة لرفع الصفائح المعدية عن الأحواض الحمضية خلال عدم استخدام البطارية.
رغم أن المجال الكهربائي يظهر بوضوح في الهواء، لكنه لأسباب مجهولة، فشل في الظهور داخل الماء والمحاليل المحتوية على الماء. تمكنت الاختبارات المستخدمة لنفس نوع المعادن كأقطاب (بدلاً من معادن مختلفة) من تحرير مواد حمضية عند إحدى المنافذ القطبية ومواد قلوية عند المنفذ الآخر خلال تفكيك الماء المقطّر إلى عناصره المركبة، بشرط أن يحتوي المحلول على كمية قليلة من الشوائب النشطة. لهذا السبب، اعتقد العديد من الباحثين بأن التيار الفولتي (نسبة لبطارية فولتا) يحوز على قوة غامضة، منتجاً الأحماض والقلويات حول الأقطاب. لقد أدرك "ديفي" مدى أهمية المحلول في حوض التحليل وعرفه باسم "الكهروليت" electrolyte. مع هذا التوجّه الجديد في التفكير، تعرّف على التلوّث الغريب للماء المقطّر بالرخام القادم من أكواب الرخام المُستخدمة لتقطير الماء واختبارات أخرى لتفكيك المحاليل. رغم أنها بدت منيعة ومستقرة كيماوياً، إلا أن الماء تفاعل مع الرخام منتجاً حمض الهيدروكلوريك hydrochloric acid عند القطب الموجب، والصودا soda عند القطب السالب. اكتشف "ديفي" بأن أكواب العقيق Agate حرّرت السيليكا silica، بينما أكواب الذهب جذبت النيتروجين من الهواء مشكلاً حمض النيتريك والأمونيا (نشادر). لتمييز المتغيرات، أجرى "ديفي" التجربة في صمام مفرغ من الهواء. بما أن عملية التفكّك توقّفت بالكامل تقريباً، استنتج بأن الماء المقطّر في شكله الأنقى لا يمكن أن يلعب دور الكهروليت.
أدى الفشل الظاهر للمجال الكهربائي في الماء إلى بروز تفسيرات متناقضة وغريبة بخصوص المادة. بالرغم من أن الماء النقي بصفته عازل لا ينشر مجالاً كهربائياً، إلا أن الهواء ينشره بسهولة. الماء بحاجة لشيء آخر ليجعله ناقلاً، شوائب مثل الأملاح، الحموض، السكر، الكحول، الأساسات.. إلى آخره. طالما أن كمية صغيرة من السكر المضافة إلى الماء تفتل زاوية الضوء القطبي المار عبره، فلا بد للشوائب أن تحدث تغييراً في اصطفاف جزيئات الماء. أصبح من الواضح إذاً أن الحموض تجعل جزيئات الماء تصطفّ نحو جهة معيّنة، بينما الأساسات تجعلها تصطفّ في جهة معاكسة فتعكس التأثير.
لقد أثبتت الأبحاث التي أقامها علماء مستقلون بأن تحليل الماء النقي باستخدام أقطاب من نفس المعدن تكشف عن حصول تأثيرات مجالات كهربائية على المستوى الجزيئي بعد 40 ساعة. والماء النقي إذا تعرّض لمصدر كهربائي (تيار مستمر) قيمته 10.000 فولت سوف يتفاعل بشكل عنيف مولّداً خرج كهربائي أكثر بكثير من طاقة الدخل.
في العام 1818م، تعرّف "ثينارد" Thénard على أوّل أكسيد هيدروجين معروف بعد الماء، ويُشار إليه بثاني أكسيد الهيدروجين HO2. وبعدها سيتم اكتشاف بروكسيد الهيدروجين Hydrogen Peroxide ويُرمز له بـ H2 O2ويُعرف أيضاً باسم ماء الأكسيجين. كلا هذان الاستثناءان في الكيمياء المألوفة أصبحا مصدر تشويق وافتتان. كيف يمكن للهيدروجين أن يكون له تكاؤ ذري بقيمة 4، كما هي الحال مع ثاني أكسيد الهيدروجين H+4 O2-2، أو تكافؤ ذري بقيمة 2 كما هي الحال مع بروكسيد الهيدروجين H2+2 O2-2 ؟! إن التفسير الكهروكيماوي لأي عنصر يحوز على تكافؤ ذري متعدد يناقض المنطق، إلا إذا كان هناك مسبباً آخر للتزاوج الذرّي والذي سبب ظهور الكثير من الاستثناءات، بما في ذلك الأوزون O 3.
يبدو أن النظرية الكيماوية بحاجة إلى آلية جديدة تستطيع عبرها تفسير آليات الطبيعة أحادية الوجوه ومتعددة الوجوه، حيث أن عملية الصدأ تجسّد تزاوجاً كيماوياً ذرياً مغناطيسياً عبر مجالات الحيّز المغناطيس واصلة بين العناصر بجزيء. جميع الوسائل المتبعة لفصل الجزيئات المحبوسة تطلق عملية احتراق منتجة الجزيء المؤكسد بالكامل، ربما مع تحرير الأكسيجين. يمكن لعملية الاحتراق أن تكون قوية جداً بحيث تشكّل انفجاراً، كما تبيّن أنه في درجة حرارة تقارب 100 درجة مئوية ينفجر بروكسيد الهيدروجين بشكل عنيف. وقد أنتجت محاولات عديدة لفصل الجزيء المحبوس نفس التفاعل الاحتراقي متطلباً مستويات الطاقة ذاتها لإطلاق عملية التفكيك الكيماوية.
LiO 2 + LiO 2 Li 2 O + O 2
Li 2 O 2 2 Li 2 O + O 2
LiO 2 + Li 2 O 2 Li 2 O + O 2
طالما أن النظرية الكهروكيماوية قادرة أن تعمل بشكل ميسّر ورتيب (بغض النظر عن مدى صحّتها)، بقي الوضع كما هو طوال 200 سنة دون حصول أي تطوّر أو تحسين في النظرية. وهذين القرنين من الزمان شهدا ظهور حالات معيّنة ولّدت أخطاء بدأت تتعاظم أكثر وأكثر، فقط لأنه وجب تفسير كل شيء وفق النظرية الكهروكيماوية. وقد سارت الأبحاث المتناولة للمجال الكهربائي والمغناطيسي في طريق موازية لتلك النظرية طوال هذين القرنين، حتى حصلت مشاهدة مخبرية بالصدفة أدت إلى ربط الجريان الكهربائي بالمغناطيسية. رغم أن ضربات البرق كانت معروفة بأنها تدمّر التأثيرات المغناطيسية، إلا أن الأمر لم يتجلى بوضوح قبل عام 1819م، عندما ربط "أورستد" بالصدفة بين الجريان الكهربائي والمغناطيسية. فقط بعدها بدأ "أندريه ماري أمبير" Ampère يجري أبحاثه على هذه الظاهرة غير المألوفة. بالاستناد على هذه المشاهدة في العشرينات من القرن التاسع عشر 1820's، طوّر فرضية عبقرية حول السلوك المغناطيسي، مفسراً تأثيرات تيارات كهربائية مختلفة مستخدماً إبرة البوصلة التي لبتكرها "أورستد". شاهد قوة جذب عندما يجري تياران بنفس الاتجاه، وقوة نفر متساوية الشدة عندما يجريان باتجاهات متعاكسة. بعد لفّ وشيعة حول حذوة فرس، استخدم "أمبير" تيارات كهربائية صغيرة لتوليد مجالاً مغناطيسياً قوي بما يكفي لحمل أوزان ثقيلة. أما التيارات الأكثر شدّة، فقد استطاعت مغنطة المعدن بشكل دائم. وبعد عكس التيار تتلاشى المغنطة الدائمة في المعدن. إحدى أكثر التأثيرات إثارة هي عندما يقطع التيار عن الوشيعة يتجسّد موجة مغناطيسية معاكسة بعد انهيار المجال المغناطيسي المتشكّل في الوشيعة.
المقاييس الكهربائية
المحاولات الأولى لقياس التيار وكذلك الجهد الكهربائي مغناطيسياً عانت من خطأ واضح في التصميم، حيث قام المختبرون الأوائل بوضع أبر بوصلة داخل وشيعة كهربائية، ويتم تمرير التيار عبر الوشيعة، لكن كانت المغناطيسية الأرضية تؤثّر على عملية القياس. باعتمادها على جهة جريان التيار الكهربائي، كانت جريانات كهربائية بسيطة تحرف إبرة البوصلة إما بجهة عقرب الساعة أو عكسها، من محور شمال/جنوب إلة محور شرق/غرب، أي دوران 90 درجة.
لمدة 70 عام من الاستخدام، كانت الأجهزة القياس هذه تتعرّض لتأثيرات وظروف خارجية بالإضافة إلى المجال المغناطيسي الأرضي. بعد هذه الفترة، اقترح "أمبير" فكرة أن المسؤول عن تجسّد المجال المغناطيسي الأرضي هو وجود تيارات كهربائية هائلة تجري في أعماق الأرض.
حاول أمبير إيجاد حل للمجهول عبر التعيير والقياس. في محاولة لإزالة الميل الدائم لإبرة البوصلة للاصطفاف مع جهة المجال المغناطيسي الأرضي، استعان بمنظومات "أستاتية" astatic وُضعت بطريقة حيث شدّتين متطابقتين مركب عليهما أبر بوصلة ممغنطة، إحدى الإبر تتحرّك بحرية فوق الوشيعة والإبرة الأخرى داخل الوشيعة، فيمكن لتيارات كهربائية نسبية مارة عبر الوشيعة أن تُقارن من خلال استخدام دائرة متدرّجة مُثبّتة فوق الوشيعة وتحت الإبرة العُليا. بعد الانتهاء من إيجاد حلول مناسبة لتجاوز تأثيرات المغناطيسية الأرضية، برزت المسألة الأصعب، المتمثلة بالتعيير calibration. في تلك الفترة، لم يتم بعد استكمال التقنيات المناسبة للتعرّف على فرق الكمون (الجهد)، شدة التيار، المقاومة، التأثير الحراري، أو معدّل الاستطاعة. لقد مثّل جهاز "أمبير" أوّل حركة قياس يمكن الاعتماد عليها جزئياً بحيث تستطيع الإشارة إلى حصول جريانات نسبية للتيار. دون وجود أي معايير، ولا وسائل تعيير، كانت المشاكل الكثيرة في تصميم هذه الأداة تحدّ من درجة دقّتها في القياس. لسوء الحظّ، هذه المقاييس الكهربائية البدائية كانت تعاني من مشكلة أساسية أخرى، حيث أن أي تطبيق لجهد كهربائي عالي (ستاتيكي) يعمل على تدمير مغناطيسية الإبرة الداخلية.
المقياس الـ"أستاتي" الذي صممه أمبير
في غياب وسائل مجدية لقياس فرق الجهد الكهربائي وجريان التيار، لم تكن نتائج التجارب المبكرة ذات أهمية تُذكر. لقد جاهد الباحثون الأوائل في الظلام لعدم توفّر المعايير المناسبة وكذلك التعريفات وأدوات الاختبار، والمعرفة اللازمة، بالإضافة إلى الجودة. رغم أن التجارب التي أجريت يمكن تكرارها بنجاح والخروج بالنتائج ذاتها، إلا أن المتغيرات التصميمية وعدم اليقين في القياسات أدى إلى الخروج فقط بنتائج تقريبية وافتراضات تستند على مشاهدات مربكة للأحداث والتأثيرات. وقد باءت المحاولات لوزن الإلكترونات (الافتراضية) الجارية في وشيعة بالفشل (مستخدمين ميزان رافد)، وقد ظنوا ربما يعود هذا الفشل لتأثيرات المجال المغناطيسي الأرضي. والمحاولات لقياس قوة الجذب والنفر مقابل قوة الجاذبية، مستخدمين ميزان رافد بين وشائع حاملة للتيار وصفائح معدنية ومغناطيسية، كانت نتيجتها الخروج بمشاهدات دلالية وليس ثابتة.
بدا أن توليد الكهرباء مدمّر كيماوياً حيث وصل التيار بمحلول كيماوي جعل الأقطاب المعدنية تذوب وتتلاشى بشكل أسرع من العادي. راحت المشاهدات الوهمية تزداد.. وتزداد معها الغواص التي ترفض الطبيعة الكشف عنها بسهولة، وأصبح مجال الكيمياء مهماً جداً، وتم تبني الفلسفة القائلة بأن الكيمياء هي أعظم العلوم حيث كل الطاقة في الكون تأتي من طاقة كيماوية! لكن هذه النشوة لم تدم طويلاً، فقد تحدّت الطبيعة هذا التوجّه المتزايد في العام 1822م، عندما لاحظ البروفيسور "سيباك"Seebeck في برلين ألمانيا تأثيراً كهربائياً غريباً غير مدمراً. تبيّن أن تسخين نقطة الوصل بين معدنين مختلفين (مثل البزموت والأنتيمون) يولّد تياراً كهربائياً مجدياً بالمقارنة مع خلية فولتا. وجد "سيباك" أن عدم التساوي في الحرارة أو الضغط أو الكثافة يمكنه أن يولّد جريان كهربائي في المعادن، خاصة في المنطقة المحيطة بنقطة الوصل بين المعدنين، إن كان نقطة لحام أو تشويه طبيعي. بالاعتماد على المعادن المستخدمة، تنتج حرارة الوصلة أوالدارة أو المعادن المختلفة تأثيرات أصبحت تُسمى بـ"تأثير المزدوجات الحرارية" عندما توصل ببعضها. في البداية، حاول الكيميائيون استبعاد هذه الظاهرة الجديدة معتبرينها بدعة ناتجة من التآكل أو تفاعلات كيماوية حاصلة في اللهب الذي يسخّن الوصلة بين المعدنين. وهكذا كان رد فعل أنصار النظرية الكهروكيماوية تجاه الظاهرة التي أصبحت تُعرف بالبطارية الجافة. فقد رفضت الجمعية الملكية للعلوم (التي يحكمها كيميائيون) الكثير من الدراسات والأبحاث التي قدمها علماء لامعين حول هذه البطارية الغريبة التي تولّد جهود عالية بدلاً من شدة تيار. (لقد ذكرت هذا الموضوع بالتفصيل في مكان آخر من هذه الدراسة).
إن أغرب تأثير أظهرته الازدواجية الحرارية على يد "سيباك" هو في قطعة معدنية منفردة، في مناطق محيطة بنقاط منحرفة جزيئياً، أو مشوّهة طبيعياً أو وصلات أنتجتها مؤثرات خارجية مثل الضغط الشديد أو الإجهاد أو لحام. لأسباب متعذر تفسيرها، ظهر جريان كهربائي موجّه عبر منطقة التشوّه أو الوصلة. وكذلك جهد تطبيق كهربائي خارجي بهدف اللحام قام بتغيير كمية الكهرباء الجاري عبر المعدن. بقي هذا التأثير الغريب يُعتبر طوال 60 سنة مقبل لدى العلم المنهجي مجرّد بدعة خارجة عن المألوف، إلى أن أعيد إحياؤه من جديد. فهذا التأثير السخيف لم يكن له أي قيمة مالية بسبب غياب أي سبب لتطبيقه صناعياً في العام 1888م. وبعد 120 سنة تقريباً، تم تناول هذا التأثير باهتمام كبير وخضع للأبحاث المكثّفة حيث سجّل العديد من براءات الاختراع التي تتناوله، وقد أصبح فيما بعد يُسمى "الترانزيستور" transistor! بدلاً من تفسير هذا التأثير في سياق الازدواجية الحرارية واصطفاف المادة الناتج من الوصلة، قامت النظرية الكهربائية بتفسير الترانزيستور من خلال تغيير مواصفات المادة بالكامل، حيث يتناولون هذا التأثير عبر استخدام نماذج جزيئية افتراضية (وهمية) تتمثّل بالثقوب "P" و" N" الموجودة في الوصلة!!
الأمر المثير للعجب هو أن السبب الحقيقي وراء تجسّد تأثير الازدواجية الحرارية بقي مجهولاً. أول فكرة فطينة جاءت في العام 1841 لـ"جيمز بريسكوت جول" James Prescott Joule الذي قام بقياس التأثير الحراري للتيارات الكهربائية. من خلال أعمال "جول" المستعرضة لظاهرة التمدّد الثابت للمعادن وتشوّه الشرائط ثنائية المعدن، تم تطوير أجهزة قياس التيار الكهربائي ذات الخط الساخن. خلال تمدد شريطاً معدنياً، أو تشوّه ثنائي معدن، يشير مدى التمدّد الحراري إلى التيار الجاري عبر الدارة، بشرط أن لا يذوب الشريط أو يتبخّر. رغم أنه شاع استخدام هذه الأجهزة للقياس، وظهرت في الكثير من أجهزة "ماركوني" للبث اللاسلكي، لكن لا يمكن الاعتماد عليها في تحديد التيارات المنخفضة بدقة، ذلك بسبب نسبية التأثيرات الحرارية.
ملاحظة:
بسبب طريقة تدريس الأنظمة التعليمية، غالباً ما يفشل الطلاب اليوم في ربط معادلة الاستطاعة P = I 2 R بحالة التمدد الحراري في المواد، حيث أن تياراً كهربائياً I ، يمرّ عبر وسيط ذات مقاومة كهربائية R ، ينتج تأثيرات حرارية وفق تشتت الاستطاعةP ، مولدة معدّل خطّي من التمدد مع ازدياد في الحرارة. وبالتالي، وجب النظر إلى الحرارة على أنها لوغريتم logarithm وفق أسس معحددة، وفقاً للعملية I 2 R، كمعتمد على النشاط المغناطيسي للمادة. مع ازدياد دوران الذرة عند ازدياد النشاط، يزداد جريان التيار في هذه الذرات، وبالتالي فالمجال المغناطيسي المتزايد يحتاج إما لحجم أكبر أو تغيير في الاصطفاف. مع ارتفاع الحرارة، قد يتمدد العنصر مع تمدد المجالات المغناطيسية، أو يتقلّص مع التغيير في شدة الاصطفاف أو الربط. مع ازدياد المسافة بين المجالات، تصبح الذرات والجزيئات أكثر تعرضاً للظروف الخارجية، وربما تتحرّر من المادة الحاضنة.
في تجربة فريدة من نوعها، صمم البروفيسور "دي لاريف" De La Rive أوّل نموذج لما يُسمى مقياس الوشيعة المتحركة. يطوف بمساعدة حلقة كبيرة من الفلين، هذه المنظومة تتصرّف كبوصلة كهرومغناطيسية. أدخل "دي لاريف" حلقة الفلّين في وعاء زجاجي مفرغ، وبطريقة ما جعلها تعمل كخلية فولتا (عبارة عن صفيحة نحاس منحنية وقطب مركزي من الزنك) موصلة ببعضها عبر حلزون سلكي طويل. أنظر في الشكل التالي:
وضع هذه الخلية لتطوف على سطح بركة من الماء. في البداية، راحت هذه الخلية الكهربائية تطوف دون أي توجّه محدد. بعد إضافة محلول حمضي أو ركيزة معيّنة إلى الوعاء الزجاجي الفارغ، تم تفعيل البطارية حيث ولّدت جرياناً كهربائياً. عندما تمغنطت الوشيعة، اصطفّت بشكل تلقائي مع الشمال المغناطيسي. طالما بقي هناك جريان كهربائي في المنظومة، تستمر هذه البوصلة الكهرومغناطيسية في التجاوب مع أي شيء ممغنط قريب منها، كما هي الحال مع البوصلة العادية.
في العام 1827م، توصل الدكتور "ج.س. اوهم" G.S. Ohm إلى اكتشاف وسيلة لتعيير المقاسات الكهربائية، حيث بحث في قدرة اختبار المواد خلال إخضاعها لحالات ثابتة حاملة للتيار. خلال هذه العملية تعرّف على ما يُعرف بـ"المقاومة الكهربائية" electrical resistance. معظم المواد أظهرت مقاومة ثابتة، حيث أن:
المقاومة = فرق الكمون عبر المادة / التيار يمر عبر المادة
ثم، من معرفة المقاومة لمادة ما:
التيار الكهربائي = فرق الكمون عبر المادة / مقاومة المادة
وبالتالي، فإن فرق الكون (أو الفولتاج) يعادل:
فرق الكمون للمادة = التيار المار عبر المادة × مقاومة المادة
رغم أن أغلبية الناس يعيدون الفضل لفاراداي في اكتشاف التحريض المغناطيسي (1831م)، لكن تأثير القوة الكهربائية الارتجاعية back EMF التي لاحظها "أمبير" وغيره، وهو القوة المتشكلة بعد انهيار المجال المغناطيسي المتولّد كهربائياً، تم تطبيقه عملياً على يد الدكتور "نيف" Neef الذي بنى جهازاً مبدعاً يُسمى بـ"الوشيعة التحريضية" induction coil (أنظر في الشكل التالي).
التيار الكهربائي الجاري في الوشيعة الداخلية يشكّل مجالاً مغناطيسياً في اللب المعدني مما يجعله قادر على جذب فاصلة ليفتح دارة أخرى. عندما تفتح الفاصلة، تمنع مرور أي تيار كهربائي في الوشيعة الداخلية فينهار المجال المغناطيسي. عندما تعود الفاصلة لمكانها مرة أخرى، تغذي المجال المغناطيسي مرة أخرى عبر تمرير التيار من خلال الوشيعة، لكنها ما تلبث أن تفعل ذلك حتى تنجذب مرة أخرى لتفصل التيار فيتهار المجال المغناطيسي. إن تعديل النابض d والوصلة c يغيّر معدل الذبذبة في الشريط المعدني b. قام "نيف" بجعل المجال المغناطيسي المتذبذب يقوم بعمل مثير جداً. فقد جسّد جهداً كهربائياً متذبذباً في الوشيعة الخارجية فتمكنت من إطلاق شرارات كهربائية كبيرة بين النافذ. لقد ساهم كل من فاراداي، ولينز، وتيسلا، وبوتش في تحسين هذا الجهاز فيما بعد.
بعد أن نتج من التجارب التي أجريت على الكهرباء والمغناطيسية وسائل مختلفة لمغنطة الحديد، لاحظ الباحثون وجود انحناءات مغناطيسية بين تيارات كهربائية مختلفة مارّة في الوشيعة حتى تبلغ شدة المغنظة. بعد ترك الحديد الحامي يبرد وسط مجال مغناطيسي قوي، يتم تثبيت الخواص المغناطيسية لقطعة الحديد بحيث تتحوّل إلى مغناطيس دائم. وبنفس الوقت، فقد أنتجت مركبات معدنية مختلفة حدود متفاوتة لقدراتها المغناطيسية. في ظروف عادية، اتبع الحديد الليّن (الطري) انحناءات مغناطيسية مشابهة واصلاً إلى حد معيّن رغم أنه ملتزم بجهة الكهرومغناطيس. تبيّن أن هذا الانحناء في الشدة المغناطيسية منسوبة لحالة تُسمى "التلاكؤ" hysteresis (نزعة المادة الممغنطة إلي البقاء في حالة مغناطيسية). كشفت الفحوص المجهرية للحديد والفولاذ بعد تصليت ضوء قطبي عليها أن هياكل عدة أصناف من الفولاذ يمكنها تجسّد عدة أنواع من المغانط. هذه الهياكل الكريستالية أصبحت أكثر وضوحاً عند مغنطتها وتم إنسابها إلى حالة التلاكؤ الممغنط magnetisation hysteresis ، حيث الاصطفاف التناسبي للكتل المغناطيسية المتشكلة من كل كريستالة منحت الفولاذ شدة مجاله المغناطيسي الكلي.
لم تمض فترة طويلة قبل أن يدرك الباحثون الفوائد الكامنة للتلاكؤ الممغنط magnetisation hysteresis. فعن طريق تطبيق جهد كهربائي موجّه على اللّب الحديدي اللليّن للمحوّل، يمكن بعدها التحكّم بطاقة كهربائية كبيرة بالإضافة إلى تضخيمها. خلال هذه الفترة، أي قبل اكتشاف التضخيم الإلكتروني electronic amplification، تم استخدام المضخمات المغناطيسية للتحكم بالأسلحة وتثبيتها بدقّة (مدافع). لقد ساهم "ماركوني" في تطوير مضخمات مغناطيسية لإرسال ومن ثم استشعار إشارات راديوية منخفضة جداً عبر مسافات طويلة.
مخطط مضخّم مغناطيسي
بعد توفّر أدوات أفضل وأكثر جودة، سمح لإجراء قياسات أكثر دقة، أصبح بالإمكان استخدام المقارنة الأولية بين نشاط عنصر معيّن والحوض الكيماوي للتنبؤ بالجهد الكهربائي للخلية. أصبح هذا أساس ما نعرفه اليوم بـ"تسلسل نشاط الذرّي" activity series، حيث أن الاختلاف بين النشاط الذري لعنصرين ونشاط المحلول، ينتج الجهد النهائي للخلية، أو "القوة المحرّكة الكهربائية" EMF المتجسّد بين منافذ الخلية.
من أجل تبسيط دراسة النشاط الكهربائي والمغناطيسية، أوجد "فاراداي" قواعد وقوانين محدّدة رأى أنها ضرورية لتأسيس معايير ثابتة تكون متوافقة مع المشاهدات العينية. إن فشل "فاراداي" في فهم واستيعاب "الدايامغناطيسية" وبالإضافة إلى سوء تفسيره للتدفّق المغناطيسي magnetic flux، أدى إلى تأسيس ولادة عدة أخطاء كبرى، حيث بقيت الطاقة الكامنة وراء التدفق المغناطيسي مختبئة عن طريق القياسات المظللة للتحريض المغناطيسي B. هذا العمل تجنّب الضرورة لتفسير آلية المجال المغناطيسي وتأثيره الذري على المادة.
بين عامي 1831 و1833م، وبالاستناد على النظرية الكهروكيماوية التي أوجدها "ديفي" بالإضافة إلى تحاليله المخبرية، اقترح "فاراداي" المحتوى الطبيعة للكهرباء عن طريقة صياغة مفهومه الخاص عن التحليل الكهربائي:
1ـ إن كمية الشحنة الكيماوية المتولدة من تيار كهربائي تبقى متناسبة مع كمية الكهرباء.
2ـ إن كميات المواد المختلفة المتحررة نتيجة كمية معيّنة من الكهرباء هي متناسبة مع أوزانها التكافئية الكيماوية، حيث أن:
الوزن التكافئي الكيماوي = الوزن الذري/تكافؤ
بما أن المواد تتفاعل بطرق مختلفة بحضور مجال مغناطيسي، ميّز فاراداي ثلاثة أنواع من المادة المغناطيسية:
ـ الدايامغناطيسي Diamagnetic: المضغوط من قبل المجال المغناطيسي
ـ البارامغناطيس Paramagnetic: ضعيف الانجذاب للمجال المغناطيسي
ـ الفيرومغناطيسي Ferromagnetic: المنجذب بقوة للمجال المغناطيسي
التأثيرات الدايامغناطيسية المتصلة بالجزيئات البارامغناطيسية في وسيط مصطفّ مغناطيسياً، يكشف عن تأثير اصطفافي جزيئي في المجال حول المغناطيس حيث يعمل الاصطفاف الذي تجسده المادة على حمل المجال. بعد تعريفه على أنه "النفاذ النسبي للوسيط" m، تابع فاراداي، مدرجاً ثلاثة طرق لتحريض التيار الكهربائي في السلك. يستطيع تحريك المغناطيس، تحريك السلك، أو كما استعرض "نييف"، يمكن إحداث تغييرات في شدة المجال المغناطيسي (اختلاجات في كثافة التدفّق المغناطيسي). بعد ضرب قيمة كثافة التدفق المغناطيسي H مع المقطع العرضي للمساحة التي مرّ عبرها، حصل فاراداي على وسيلة سهلة للتنبؤ بقيمة التحريص المغناطيسي B دون أن يصف أو يفسّر آلية هذا التحريض. بعد هذا كله، قام فاراداي بتصميم وبناء دينامو عام 1831م.
لسوء الحظ، بعد تطبيق معادلات فاراداي على الجزيء الافتراضي الذي يسمونه إلكترون، واجهت هذه المعادلات فشلاً ذريعاً، لأنها كانت تخرج دائماً بنتيجة تشير إلى تجسيد طاقة إضافية مجهولة المصدر. وبالإضافة إلى ذلك، عند تطبيقها على حالات أخرى، مثل اعتبار سلك طويل لا متناهي، أو اعتبار مقطع عرضي لمساحة كبيرة جداً، تشير النتائج إلى خرج كهربائي لا متناهي. هذه التناقضات في المشاهدات والمعادلات والنتائج أجبرت العلم المنهجي على تبني وسيلتين مختلفتين تماماً لقياس شدة المجال المغناطيسي.
رغم أن فاراداي ميّز الخواص الدايامغناطيسية، إلا أن مشاهداته كانت مربكة بسبب حضور جزيئات بارامغناطيسية أكثر قوة في الجو. فأثبتت الجزيئات الجوية في الاختبارات أنها تضغط وتلفظ المواد البارامغناطيسية الأضعف، فارضة على هذه الجزيئات أن تستعرض الخواص العينية التي اعتبرها فاراداي بأنها ذات طبيعة دايامغناطيسية.
هذه العبارات تحدد مكان المفتاح المطلوب لفتح الباب إلى البنية الحقيقية للطبيعة والكون من حولنا. قبل اكتشاف الغازات الدايامغناطيسية الخاملة inert diamagnetic gases (الهيليوم، النيون، الأرغان، كريبتون، كسينون، راندون) عرّف فاراداي الهيدروجين H 2 بأن لديه خواص دايامغناطيسية، بلاً من كونه جزيء دايامغناطيسي.
في غياب نموذج ذرّي مناسب، لم يستطيع فاراداي اتخاذ الخطوة التالية في تفسير ما هو واضح للعيان. المفتاح المطلوب لفتح أسرار الطبيعة المتعلقة بالدايامغناطيسية كان موجوداً أمام أنظارهم منذ تلك الفترة، قابعاً على رفوف المختبرات. إنه جهاز أمبير لقياس الطاقة الكهربائية بينما يتم التقليل من تأثيرات المغناطيسية الأرضية (ذكرتها في فقرات سابقة). هذا الجهاز يستخدم مجال المغناطيس الحلقي الذي يشبه تماماً جزيء الهيدروجين.
رغم أنه يقاوم معظم التأثيرات المغناطيسية الخارجية، إلا أن ذرات مغناطيسية أخرى تستطيع الوصل بين القطع القطبية للمجال الحلقي لتشكّل الاستثناءات ذاتها التي عجزت النظرية الكيماوية عن تفسيرها وإدخالها إلى منهجها الخاص، هذه النظرية التي ساهم فاراداي بشكل كبير في تسويقها والتثبيت من وطأتها ورسوخها.
Li 2 + O 2 Li O 2 , Li 2 O , Li 2 O 2
H 2 + O 2 H O 2 , H 2 O , H 2 O 2
N 2 + O 2 N O 2 , N 2 O , N 2 O 2
NaCl + H<sub
....................
عالم المعرفة ومرض انفصام الشخصية
إن المؤرّخ العلمي الأصيل هو ليس من يلعب دور المسوّق للأفكار العلمية السائدة عن طريق التركيز على تاريخ البحث في الظواهر المتوافقة مع المنهج العلمي الرسمي حصراً بينما يتجاهل أو لم يكلّف نفسه في إلقاء نظرة على ذلك الكم الهائل من الأبحاث العلمية المتناولة لظواهر متناقضة مع المنهج العلمي العام ونظرياته السائدة. المؤرّخ العلمي الحقيقي، وأصبح نادراً وجوده اليوم، هو من يبحث في الأوراق العلمية المُهملة التي تناولت ظواهر طبيعية منسية، تم توثيقها ودراستها بعمق وكثافة، لكن بنفس الوقت، تم تنحيتها جانباً والتستر عليها لأنها كانت تعارض مسار المنهج العلمي الرتيب والقائمين عليه من أكاديميين ومسيطرين اقتصاديين.
إن استرجاع إلى ذاكرتنا مشاهدات قديمة منسية، واكتشافات وسجلات علمية قيّمة، وظواهر طبيعية نادرة، يوفّر المزيد من المساحة العلمية الإضافية التي يحتاجها الباحثون اليائسون اليوم في مجال الطاقة، والذين مهما امتدّ أفقهم العلمي، إلا أنهم يدورون حول أنفسهم داخل حلقة ضيّقة وضعهم فيها المنهج العلمي السائد عبر فرض منطق علمي محدد، ومذهب فكري محدد، ولغايات علمية محددة.. مصوّراً هذه الباقة المعرفية المحدودة بأنها تمثّل الحقيقة المطلقة! وليس هناك شيء آخر خلف الحدود!
إن الذين يألفون الأرشيفات العلمية الضخمة التي تقبع مهملة ومرمية في مخازن المؤسسات العلمية العريقة يدركون جيداً حقيقة أن هناك تكنولوجيا هائلة تقبع ساكنة في عالم الأسرار بالمقارنة مع التكنولوجيا التي نلعب بها اليوم. إن ما يتم مناقشته اليوم من تكنولوجيا، بالإضافة إلى تلك التي يتم تطبيقها، لا يمكن مقارنتها بعظمة وروعة ما يقبع في الخفاء. وجب عليك يا أخي الكريم إدراك حقيقة أن معظم التقنيات العلمية التي يتم دراستها اليوم بحثاً عن حلول شافية للمصائب المستشرية، قد تم تناولها وتطويرها لحد الكمال منذ بدايات القرن الماضي! والسؤال هو: لماذا هي مخفيّة؟!
لم يعد هناك أدنى شكّ بأن العالم اليوم مصاب بانفصام في الشخصية! ففي الوقت الذي تجاهد البحوث العلمية الرسمية بكل ما عندها من وقت وجهد ومال لإيجاد وسائل بديلة لإنتاج الطاقة بهدف تجنّب الكارثة البيئية المحتّمة، والبؤس الذي راح يستشري بين سكان الأرض، نجد بنفس الوقت أن الوسائل البديلة موجودة منذ زمن بعيد جداً، وقد تم، في عديد من الدول ومنذ زمن بعيد، بناء أجهزة ونظم مذهلة يمكنها إنتاج كميات هائلة من الطاقة النظيفة.
مهما كانت اللعبة التي يلعبونها على المستوى الدولي، يبدو واضحاً أنها لعبة معرفة وليست كما جعلونا نعتقد: لعبة أيديولوجيات وأديان وأحزاب ودول وإرهاب ... إلى آخره. إن كل ما نراه يجري على المستوى الدولي هو عبارة عن خداع بصري، يخفي وراءه الحرب الحقيقية التي تُشنّ على الإنسان. لقد قرّرت مجموعة من الأشخاص القابعين في لندن ونيويورك بأنه ممنوع على البشر أن يتقدموا أكثر من هذا الحد. إلى هنا وبس. لقد رسموا منهج الحياة التي وجب علينا عيشها، وباشروا في تنفيذ الخطة على جميع المستويات: الأكاديمي، السياسي، الصناعي والاقتصادي. ممنوع علينا تجاوز هذه الحدود!
وإذا كان الأمر غير ذلك، فما السبب إذاً لهذا القمع والإخفاء المستمر لتلك العلوم الرائعة التي يمكنها تخليص الإنسان من هذا البؤس الذي يعانيه؟! ولكي أكون واضحاً أكثر، ما هو السبب الذي يجعل دولة عظمى صدّعت رؤوسنا بالديمقراطية وحقوق الإنسان مثل الولايات المتحدة، تقدم المساعدات التكنولوجية لدول العالم الثالث منذ الخمسينات من القرن الماضي، وتمنحها القروض المالية لبناء السدود العملاقة لتوفير الكهرباء لشعوب تلك الدول، بينما في الوقت نفسه، نجدها تمعن في قمع وسائل بديلة لإنتاج الطاقة وتلاحق المخترعين وتقتلهم؟ لماذا كانوا منذ أواسط القرن الماضي يدعمون مشاريع جبارة تستنزف أموال طائلة كالسدود المائية، والتي ساهمت بشكل كبير في تدمير البيئة وتوازن الطبيعة، بينما في نفس الوقت، كانوا يقمعون تلك الأجهزة العجيبة التي لا يتجاوز حجمها حجم التلفزيون والتي تستطيع توفير الكهرباء الحرة للمنزل النموذجي بكافة مستلزماته الكهربائية؟!! واعتقد بأن قصة المخترع الأمريكي اللامع "ت.هنري موراي" في الثلاثينات من القرن الماضي كافية لإثبات هذه الحقيقة؟!
جهاز موراي العجيب
ولكي أكون عادلاً في توزيع التهم، دعونا نتساءل: لماذا.. في الوقت الذي كانت فيه الحكومة الشيوعية التي قامت في روسيا أوائل القرن الماضي تبسط سيطرتها في كافة نواحي الحياة الروسية، ناشرة العادلة الاجتماعية والأمن الاجتماعي، كان يجري في تلك الفترة بالذات قمع وإخفاء الكثير من الأجهزة والمبادئ العلمية المتعلقة بتوليد الطاقة الحرّة؟! ومثال على ذلك هو ما يُعرف بأنظمة توليد طاقة متذبذبة متثابتة ذاتية التغذية Self-Powering Russian Overunity Parametric Oscillator Power Systems والتي أنتجتها المختبرات الروسية في الثلاثينات من القرن الماضي، لكنها قُمعت بالكامل قبل الحرب العالمية الثانية حيث أصبحت من ملاك المخابرات الروسية KGB واعتبرت أسرار عسكرية سرّية للغاية! وراحت الحكومة تتبنى تلك المشاريع التقليدية المدمّرة للبيئة، على الطريقة الأمريكية، حيث ساهمت السدود العملاقة بشكل كبير في تدمير الأراضي الروسية العذراء كما حصل مع الجنة السيبيرية.
عندما تم غزو ألمانيا في نهايات الحرب العالمية الثانية، بحجّة القضاء على هتلر، جلب بعض جنود الحلفاء معهم الكثير من الأجهزة المولّدة للطاقة الكهربائية الحرة، والتي كان الألمان يصنعونها منزلياً، استولى عليها الجنود الغزاة خلال النهب الذي جرى على نطاق واسع هناك، وقد انتشرت حكايا كثيرة عن هذه الأجهزة العجيبة في فترة معيّنة لكنها عادة واختفت من جديد.
أما بخصوص المنشآت النووية التي أقاموها بحجة أنها البديل الوحيد للسدود المنتجة للطاقة الكهربائية، هذه التكنولوجيا الخطيرة جداً التي بدأت تنتشر على نطاق واسع بين دول العالم، فتُعتبر من أكبر عمليات الخداع التي انطلت على الشعوب، بما فيهم من علماء وأكاديميين ومثقفين! لأن المفهوم العلمي الذي تستند عليه هو مفهوم خاطئ تماماً وليس له أي أساس من الصحة! فالأبحاث التي أجراها الفيزيائي البلجيكي العملاق "غوستاف لوبون" Gustav Le Bon، والمنشورة في العام 1909م، تناقض تماماً المفهوم النووي المزوّر الذي يتبعه المجتمع العلمي الرسمي والخبراء النوويين اليوم. لقد أكد هذا الفيزيائي اللامع حقيقة أن أي مادة على وجه الأرض يمكنها تحرير كمونها النووي على شكل إشعاعات، بشرط أن تتلقى الموجة المناسبة من الضوء فوق البنفسجي (إشعاع)، أو "الطاقة السوداء" كما سماها، والقادمة من الفضاء الخارجي.
"غوستاف لوبون"
لقد اختلف "لوبون" مع الفيزيائيين في تلك الفترة، الذين راحوا يعزلون المعادن الثقيلة بحجة أنها العناصر الإشعاعية الوحيدة الموجودة على كوكب الأرض. لقد أثبت لهم مراراً وتكراراً كيف أنه يمكن جعل أي مادة تصبح إشعاعية مجرّد أن سلّط عليها موجة ضوئية مناسبة لها، حيث استطاع جعل كل من معدني المعنيسيوم والقصدير يطلق طاقة تفوق قيمتها قيمة الإشعاع الصادر من كتلة الراديوم المتساوية بالحجم! والوسيلة التي استعان بها لتجسيد هذا التأثير العجيب هي تسليط أشعّة مكثّفة من ضوء الشمس فقط لا غير! لكن جميع الإثباتات التي استعرضها أمام المجتمع العلمي لم تهزّ شعرة واحدة من رؤوسهم البليدة.. لا حياة لمن تنادي! استمرّت عملية الخداع دون تردد أو إعادة نظر فيما هم فاعلون! فمن برأيكم هو المسؤول عن الرعب النووي الذي يسود اليوم؟!
السؤال المهم الذي وجب على كل عاقل طرحه هو: من المستفيد من هذه الحالة المرعبة التي نعانيها اليوم؟ لماذا يساهمون في نشر التكنولوجيات الخطيرة والمدمرة في الوقت الذي يخفون فيه تكنولوجيات نظيفة وأكثر أماناً؟! لماذا كل الدول المتقدمة، رغم وجود خلافات سياسية وأيديولوجية واقتصادية فيما بينها ظاهرياً، إلا أنها تشترك في عمل واحد يجمع بينها ويوحّدها: قمع التقنيات المنتجة للطاقة الحرّة؟! أليس هذا أمراً يدعو للشكّ والريبة؟.. هل يمكن أن تكون كافة المجريات السياسية الحاصلة على المسرح الدولي مجرّد مسرحيات تخفي وراءها أجندة خفية تديرها عصابة من الصناعيين والمصرفيين؟!
قبل أن يبدو قولي السابق مجرّد تخريف وخيال واسع (وهوس بنظرية المؤامرة)، وأن ما من تكنولوجيات سرّية أو ما شبه، دعونا نلقي نظرة على ما يجري في العالم الأكاديمي وما هو موقفه من مسألة الطاقة بشكل عام وما هو سبب هذه البلادة التي يعاني منها بهذا الخصوص.
..............
جولة في رحاب العالم الأكاديمي المحترم
هذا الموضوع يتناول الكثير من المسائل الأساسية التي تستحق لفت انتباه المثقفين والمتعلمين، بما فيهم المجتمع العلمي الرتيب وتدعوهم للقيام بالإجراءات المناسبة حيالها. إن السبب الرئيسي وراء حصول خطأ جسيم في فهم البشر للطبيعة والكون من حولهم هو منح الأكاديميون الأولوية للعلم المنهجي وقوانينه المعقدة على حساب الطبيعة وما تظهره من بساطة ووضوح. بالإضافة إلى تجنب العلم، أو عجزه عن، الإجابة على الكثير من الأسئلة البسيطة بخصوص الظواهر الطبيعية من حولنا، والتي يبدو أنها تتطلّب إجابة بسيطة خالية من التعقيد العلمي المعتاد. رغم أن الفضل الأوّل للتقدم التقني الذي نتمتع به اليوم يعود للاكتشافات العفوية غير المقصودة (عامل الصدفة) أكثر من كونها نتائج اختبارات علمية محسوبة مسبقاً، إلا أن العلم المنهجي لازال يدعي بفخر أن الفضل لهذا التقدم يعود إليه ولقوانينه ونظرياته العلمية التي وضعها العلماء الأوائل في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. إذا استثنينا تلك الاكتشافات الثورية غير المحسوبة (والتي تم ملاحظتها بالصدفة) والتي تُعتبر صاحبة الفضل في هذا التقدم الهائل في العلم والتكنولوجيا اليوم، سوف نرى بوضوح كيف أن النظريات العلمية المنهجية، التي وُضعت أصلاً نتيجة تنظيرات وهمية تستند على حقائق خرافية غير واقعية وتجارب مخبرية مزوّرة، كانت ولازالت تواجه الكثير من المشاكل المستعصية والنتائج المأساوية المستشرية في أوساط المجتمع العلمي المنهجي.
صحيح أن الناس يحترمون العلم ويهابونه، لكنهم في الحقيقة يفعلون ذلك نتيجة قناعات خاطئة تماماً لا تمثّل سوى أوهام. غالباً ما يعجزوا عن استيعاب وفهم النظريات العلمية المتناقضة والمعقدة، وبنفس الوقت يقبلون بالنتائج غير المُفسّرة للكثير من التجارب العلمية المذكورة في المنهج العلمي المرسوم. على مرّ السنين الطويلة، خسر المجتمع العلمي الكثير من التلاميذ ذوات العقول اللامعة وكذلك الباحثين المميّزين، الذين انتقلوا للعمل في مجالات حياتية أخرى كنتيجة مباشرة للطريقة الاستبدادية وغير المنطقية التي يفرض فيها المنهج العلمي أفكاره المربكة/المتناقضة ومعتقداته الأصولية المتزمتة التي تفرض الامتثال القسري على التلاميذ الذين وجب أن ينصاعوا للقبول بهذه النظريات والأفكار دون مسائلة أو نقاش. عن طريق غرس الأفكار عنوة في الأذهان، والضغط بقوة نحو قبول النظريات العلمية المتناقضة، وترسيخ حالة عدم يقين وكذلك الإرباك والفوضى في المفاهيم، بقي المنهج العلمي الرسمي طوال هذه السنوات يعجّ بالأساطير والخرافات العلمية التي أصبحت مسلمات غير قابلة للنقاش. وكنتيجة مباشرة لهذا الأمر المأساوي، بقينا حتى اليوم، ورغم هذا التقدم الهائل، عاجزين عن وصف أو تعريف الآلية الحقيقية وراء طريقة عمل الطبيعة والكون من حولنا. رغم الحقيقة المتمثلة بأن المدرّسون والأساتذة يسودهم الأمل بأنه في أحد الأيام لا بد من ظهور نظرية علمية أفضل، إلا أن المتعصبون العلميون، والذين يحتلون في الغالب المناصب الأعلى في هذا الكيان العلمي، يجاهدون بكل ما عندهم من قوة في المحافظة على "الوضع الراهن" متمسكين بالنظريات العلمية البالية وكأنها نصوصاً مقدسة أرفع وأسمى من أن تدنّسها أي حقيقة علمية جديدة تظهر هنا أو هناك.
ملاحظة: في هذا الفصل، سوف ترد عبارة "مشاهدة وهمية" أكثر من مرّة، ويُقصد بها ما يُدركه الباحث خلال الاختبار والأخذ به على أنه يمثّل الواقع، مع تجاهل الأمور التي تتجسّد فعلياً في الظاهرة أو التجربة الخاضعة للمراقبة لكن دون مستوى إدراك الباحث (أي على المستوى المجهري أو الذرّي). فبالتالي، إن الأخذ بالملاحظات المخبرية القابلة للإدراك البشري مع استثناء الملاحظات الحاصلة دون مستوى الإدراك تكون مشاهدة غير كاملة، ويعتبرها الباحثون المستقلون بأنها "مشاهدة وهمية".
وفق مفهوم "الطريقة العلمية السليمة"، عندما تتناقض الملاحظات المخبرية المُثبتة مع المعتقدات العلمية السائدة، وجب على المجتمع العلمي أن يتوقف فوراً عن الأخذ بالنظرية العلمية السائدة واستبدالها بنظرية علمية جديدة تستند على الاكتشاف المخبري الجديد. هذا ما وجب أن يحصل في هكذا حالات. لكن الواقع يختلف تماماً. الحقيقة مؤلمة إلى أبعد حدود. إن جميع العاملين في هذا المجال العلمي، ابتداء من محرري الصحف والمجلات العلمية وانتهاءً بالأساتذة الأكاديميين والعلماء النظريين، جميعهم يجاهدون أوتوماتيكياً نحو هدف واحد فقط، وهو المحافظة على الوضع الراهن.. أي إبقاء كل شيء كما هو! ذلك من خلال الرقابة الشديدة على الصحافة والمنشورات العلمية، مشددين على أن تكون كافة الملاحظات والاكتشافات المخبرية متوافقة ومتناغمة مع التفسيرات التقليدية للمنهج العلمي الرسمي، وإلا تُعتبر لاغية وغير رسمية. هذا السلوك يدفع الباحثين وكذلك الكتاب والمؤلفين العلميين إلى الامتثال والرضوخ لهذه الشروط الاستبدادية، مساهمين بذلك في استمرارية رسوخ تلك المسلمات العلمية البالية والمزوّرة على الأغلب، ويبقى هذا اللاهوت العلمي مسيطراً على عقل ووجدان كل من عمل في المجال العلمي. وبالتالي تستمر عملية رفض واستبعاد أي حقيقة علمية غير متوافقة مع المنطق العام، فتستمر معها حالة الفوضى والتناقض في المفاهيم، مستشرية في كافة الفروع والمذاهب العلمية الأخرى.
حسبما يعتقد الفيزيائيون والكيميائيون، فإن العمل وفق الطريقة العلمية السليمة هو الذي منع الأخطاء والهفوات من الدخول إلى المنهج العلمي بكافة فروعه. لكنهم لم يفطنوا أبداً إلى حقيقة أن القوانين العلمية التي تخضع لها الطريقة العلمية السليمة قد تكون خاطئة أصلاً! وبالتالي فإن أخذها كمقياس ثابت خلال الحكم على الاكتشافات العلمية الجديدة يزيد من الأمر سوءاًً وتتحول بعدها هذه الطريقة العلمية السليمة إلى مجرّد آلية تساهم في تكريس الخطأ والابتعاد عن الحقيقة أكثر وأكثر.
الحل الجازم لهذه المسألة يكمن في تطبيق ما يمكن أن نسميه الطريقة العلمية السليمة الشاملة على كافة الأسس والمبادئ التي يستند عليها هذا الكيان العلمي الرسمي. وجب علينا إعادة النظر في كافة المعتقدات العلمية الراسخة بقوة في العقول طوال كل هذه السنوات حتى أصبحت مسلمات مقدسة. وجب أن يكون الهدف الأسمى، ليس المحافظة على المسلمات كما هو حاصل اليوم، بل الاجتهاد نحو تفسير مظاهر الكون وفق نظرية شاملة وبسيطة بالاعتماد على قوانين علمية واضحة وسليمة وخالية من أي شوائب ورواسب مشوّهة لصورة الحقيقة.
بعد مرور 300 سنة على ولادة الفيزياء، و200 سنة على ظهور الكيمياء، أدّت التفرعات والاختلافات في تطبيق الطريقة العلمية السليمة إلى ظهور صراعات ومنافسات بين الكثير من المدارس العلمية المختلفة، وأصبح الهدف الأسمى لكل من هذه المدارس يتمثّل بالانتصار على المدرسة الأخرى، وكل شيء مباح في الحروب، حتى لو جاء هذا الانتصار نتيجة لتزوير الحقائق، الخيانات، المؤامرات، الرشوة وغيرها من وسائل بعيدة كل البعد عن الطريقة العلمية السليمة. وجب علينا الانتباه جيداً إلى بعض الفترات المهمة من تاريخ العلم المنهجي والتي نشبت فيها صراعات بين مدارس علمية مختلفة، وأن نفطن لحقيقة أن المنهج العلمي الذي يسود اليوم هو مؤلف من مجموعة مدارس علمية (فيزياء، كيمياء، طب.. إلى آخره) خرجت منتصرة من صراع طويل ومرير مع مدارس أخرى كانت قائمة في إحدى الفترات. وتذكّر أن انتصار مدرسة على أخرى قد لا يأتي نتيجة لقوة حجتها العلمية بل يكون نتيجة مؤامرات خسيسة ليس لها أي علاقة بالعلم إطلاقاً! والمأساة الحقيقية تكمن في أن معظم الناس يتملكهم اعتقاد راسخ بأن هذا المنهج العلمي الرتيب هو حصيلة جهود مستمرة ونزيهة تراكمت عبر هذا التاريخ العلمي الطويل، وبتقدم بطيء ومتواصل وصل العلم إلى ما هو عليه الآن وحقّق ما حقّقه. هذه النظرة الساذجة التي يؤمن بها الأغلبية ساهمت بشكل كبير في ترسيخ الخطأ واستمراريته عبر كل هذه السنوات. فأنا شخصياً واثق كل الثقة، بأن الذين سيقرؤون هذه الفقرات سوف يُقسمون إلى قسمين: القسم الأوّل (وهو الإيجابي) سينظر إلى ما قرأه بجدية واهتمام، وربما يبدأ منذ هذه اللحظة بإعادة النظر في كل المعلومات والحقائق العلمية التي تشرّبها طوال فترة الدراسة والتحصيل العلمي، متبنياً مبادئ علمية جديدة تهدف إلى تفسير الطبيعة على حقيقتها. بينما على الجانب الآخر، هناك القسم الثاني (وهو السلبي) الذي سيعتبر ما قراءه للتو عبارة عن اعتداء سافر على الكيان العلمي المحترم ومصداقيته، وكذلك عليه شخصياً وعلى مؤهلاته العلمية التي عمل جاهداً ليستحقها، وإذا كان أستاذاً مرموقاً في إحدى الكليات أو الجامعات، لا بد من أن يستشيط غضباً لهذا الانتهاك الوقح لموقعه الأكاديمي ومركزه الاجتماعي.. إلى آخره!
من أجل الاستمرار في تكريم وإجلال "نيوتن" و"ديفي" و"أينشتاين" وغيرهم من الأولياء العلميين الصالحين على حساب الحقيقة، وتناول أعمالهم "المقدسة" بالحرف والكلمة، أدى بنا الأمر إلى ابتعادنا كل البعد عن معرفة طبيعة الكون من حولنا. هذا العمل المتمثّل بتقديس العلماء وأخذ أعمالهم كمسلمات لاهوتية يناقض المبادئ العلمية الأصيلة التي من الواجب على الأكاديميين صونها والالتزام بها. ولسوء الحظ، فإن طريقة غرس التعاليم العلمية في الأذهان اليافعة تنتج حالات معيّنة تجعلك تظن بأن إعادة النظر في مفهوم علمي معيّن أو ملاحظة هفوة أو خلل فيه يمثّل اعتداء سافر على سمعة ومصداقية الكثير من العلماء العظماء. بغض النظر عن من خلق أخطاء علمية وكيف ولماذا، وجب أن تتذكّر أن البشر غير معصومون عن الخطأ، وأن هفوة واحدة لا يمكنها تدمير صورة هذا الشخص العظيم وتمحو إنجازاته المهمة الأخرى.
تسويق الخرافات
مع مواجهة صعوبة في شرح الأفكار العلمية المعقدة، غالباً ما يستخدم المدرّسون الحكايا الرمزية للمساعدة على سرعة الفهم والاستيعاب، وكذلك زيادة القابلية على هضم المفهوم العلمي للحكاية دون أي تقصير أو تردد. لقد أثبتت هذه الوسيلة جدواها حيث أنها تستطيع محو واستبدال قناعات أخرى كانت مغروسة في الذهن سابقاً. يتم استخدام هذه الوسيلة المتمثلة بـ"رواية الحكايا الرمزية" من قبل المفاوضين المحنّكين، وكذلك المسوّقين التجاريين المحترفين، والسياسيين، والزعماء الدينيين، وحتى المتعصبين. وطالما استخدم المحرّضون هذه التقنية الفتاكة (رواية الحكايا الرمزية) كأداة تحريف عاطفية وانفعالية لتقديم وفرض، وحتى تحريف، طريقة تفكير أو توجّه أو فلسفة معيّنة. وجب على التلاميذ الحذر من هذه الطريقة، لأن الحكايا الرمزية تكرّس أوهاماً قوية لا تمت للحقيقة بصلة. إن سوء تفسير بسيط، أو تسويق مخادع لأكذوبة معيّنة، تأتي على شكل "حكاية رمزية" يمكنها أن تظلّل الساذجين والغافلين، فارضة القبول بمعلومة معيّنة على أنها حقيقة مطلقة. أو ملاحظة علمية مشكوك بأمرها يتم شرحها على شكل "حكاية رمزية" بحجة تبسيطها قد تساهم في تشويه صورة الواقع تماماً في ذهن المتلقّن وبالتالي يصعب تصحيحها بسهولة في المستقبل.
في رحاب العلم المنهجي، الساحة هي دائماً تحت سيطرة الحكاية الرمزية التي تكون متخفية بزيّ التجربة الذهنية، فتعمل على انساب تجارب حياتية عامة (تجربة يومية، مواقف افتراضية، أمثلة موازية، صور توصيفية.. وغيرها) إلى حالات ومواقف ليس لها صلة بالمطلق. إن الحكايا الرمزية التي تظهر شروحات وتفسيرات منطقية بالنسبة لنا غالباً ما تكون باطلة وغير صحيحة. من أجل جني الرضى والقبول لفكرة علمية معيّنة، ينشد المدرّسون إلى تجسيد القناعة العمياء لدى الطلاب عبر القصص الإيحائية المبطنة، والتي يتجسّد تأثيرها، ليس فقط على المستوى المنطقي التحليلي، بل على المستوى العاطفي أيضاً. يمكن لحملة تسويق تجارية أن تحتوي على عدة حكايا رمزية متسلسلة، وكل حكاية أقوى من السابقة، وبعد انتهاء هذه الحملة الدعائية يكون قد تم إقناع المستهلك بأن تلك الأفكار التي تم تسويقها تمثّل حقيقة واقعية وأن السلعة تمثّل ضرورة لا غنى عنها. وقد استخدم "أدولف هتلر" الحكايا الرمزية لجذب وإغواء الشعب لتبني وقبول الأيديولوجية النازية. يمكن لأي شخص أن يحتضن، بحماسة شديدة، الكثير من المفاهيم الواهمة والأيديولوجيات المزوّرة عندما يقع ضحية العاطفة العقائدية المتزمّتة، والعشائرية المتعصبة وغيرها من توجهات فكرية تتحكم بشرائح جماهيرية واسعة. هذه الحالة لا تستثني العاملين في العالم الأكاديمي المحترم، حيث تم تزوير الكثير من الملاحظات وتم اعتبار الكثير من الفرضيات والأوهام على أنها حقائق مسلّم بها، كل ذلك عبر تسويق الحكايا الرمزية على أنها مقاربات حقيقية للأفكار العلمية المُراد نشرها وترسيخها.
نظريات الانفجار العظيم
فيما يلي مثال جيّد على استخدام عدة حكايا رمزية في مجال "الكوزمولوجيا" (علم الكون)، والتي يلجأ إليها المدرّسون لوصف وشرح عملية الانفجار الكوني العظيم وكذلك النظريات المتعلقة بالتوسّع الكوني المستمر. بالإضافة إلى عرض هذه النظريات غير الواقعية على شكل صور متحركة تم إخراجها بشكل جيّد، يقوم العلماء الكوزمولوجيون بتجارب عملية (مخادعة) لتكريس الانطباع في أذهان الطلاب بأن ما يسوقونه من نظريات وأفكار تمثّل الحقيقة. ينفخون مثلاً في بالون مُرقّط بنقاط سوداء، ثم يشرحون كيف أن البالون كلما كبر حجمه كلما زادت المسافة الفاصلة بين النقاط السوداء وكيف أن هذا ينطبق على واقع الكون والمجرّات الذي يتوسّع باستمرار بعد حصول الانفجار العظيم. وما يدعو للسخرية هو أن هذا الوهم يحتل العقول على شكل قناعة راسخة بأن الكون يتصرّف فعلاً بهذه الطريقة، مع أننا لم نرى الكون بشكل فعلي في التجربة السخيفة التي أجراها الأستاذ وكل ما رأيناه هو البالون! هكذا يتم تسويق النظريات.. مجرّد أوهام ليس لها أساس أو إثبات أو برهان.. مجرّد تجربة عملية سخيفة تفي بالغرض! هذه التجربة البسيطة تمثّل المرحلة الأولى فقط. بعد أن رسخت الفكرة المستنبطة من هذه التجربة في الأذهان، ينتقل الأستاذ إلى تجربة (مخادعة) أخرى، فيصف عملية خبز كعكة بالزبيب في الفرن، وكيف تتمدّد الكعكة خلال عملية الخبز وكيف أن الزبيب الذي تحتويه يمثّل المجرات، وهذه المجرّات تتباعد عن بعضها خلال تمدّد الكون كما هي الحال مع الزبيب الذي يتباعد عن بعضه خلال انتفاخ عجينة الكعكة في الفرن. وطالما أن القليل من العلماء يعرفون كيف يخبزون الكعكة، فربما تكون هذه المقاربة التفسيرية صحيحة!!
بما أن الشخص سيتقبّل التجربتين السابقتين كحجج ثابتة، لم يعد الأمر يتطلّب المزيد من البراهين والتجارب لإثبات الفكرة. لقد نجحت هذه الوسيلة في وصف الانفجار العظيم والتمدد الكوني بالتسرّب إلى الأذهان بسهولة، وكان الأستاذ واثقاً مما يقوله بسبب قناعته المسبقة بأنه يفقه جيداً الطريقة التي يجري فيها الانفجار على سطح الأرض وبالتالي لا بد من أن يكون الانفجار في الفضاء وعلى المستوى الكوني مشابه تماماً. في مخالفة مطلقة للقوانين الهندسية الثابتة، وكذلك تجاوزاً للطريقة العلمية السليمة وكل الحقائق العلمية الأخرى، قام المسوّقين لهذه الأوهام الكوزمولوجية بتحريف الملاحظات المتعلقة بظاهرة "الانزياح الأحمر" red-shift للمجرات، فقط من أجل إثبات مصداقية تنظيراتهم السافرة. مسوقين لنظرية افتراضية تتحدث عن خرافة الانفجار العظيم والتمدد الكوني. كانت طريقة التسويق لهذه الأكذوبة قوية جداً وكثيفة جداً لدرجة أن الغافلين تقبلوها على أنها حقيقة مسلّم بها. وبما أنها احتلت عقول الأكاديميين والمجتمع العلمي بشكل عام حتى أصبحت عرفاً، لم يعد يتجرأ أي من العلماء على المخاطرة بسمعته ويخرج عن التيار العام ليتحدى مصداقية هذه الفرضية الوهمية، والفاشلة هندسياً ورياضياً وحتى منطقياً.
أما الجانب المثير للسخرية الذي وجب الإشارة إليه، فيتمثّل بالهندسة السطحية للبالون الذي ينفخ فيه الأستاذ، حيث يكشف عن سلسلة من الأوهام الواضحة التي تناقض النظرية ذاتها! لقد قام مصممو ومسوّقو هذه التجربة المخادعة بوضع الكرة الأرضية في مركز الكون المتمدد.. أي في مركز البالون المنفوخ! يصفون امتداد كوني على أنه كرة دائرية قطرها 15 ألف مليون سنة ضوئية، مع موقع الكرة الأرضية في المركز تماماً! إن هذه الفكرة البالية المتمثلة بأن الكرة الأرضية هي مركز الكون (والتي تعود للقرون الوسطى) تكفي لأن تدحض بمصداقية المدرّس ومؤهلاته العلمية. إن الفشل في العمل وفق الطريقة العلمية السليمة يعود أولاً على عاتق المدرّسين. فرغم وضوح الأخطاء الفادحة في هذه الفكرة، استمروا في تدريسها وكأنها حقيقة ثابتة، متجاوزين بذلك كل بروتوكولات الطريقة العلمية السليمة حيث لم ينظروا في مدى دقة الأسس الهندسية لهذه العقيدة العلمية التي يسوّقونها. إنهم بكل بساطة يحافظون على استمرارية رسوخ التفاهات غير العلمية معتبريها حقائق علمية ثابتة! إنهم، كما الببغوات (جمع ببغاء)، يسوّقون الأفكار المحرّفة والملاحظات الوهمية والحكايا الرمزية المخادعة دون النظر في مدى أهليتها الهندسية والرياضية.
البروبوغاندا الموجّهة وتزوير الأقوال المأثورة
غالباً ما يعمل التاريخ الموجّه وكذلك وسائل الإعلام المتناولة للأقوال المأثورة والخطابات وغيرها من أدبيات تعود لشخصية بارزة، في التركيز على مقاطع معيّنة دون غيرها وتسلّط عليها الضوء بطريقة تمكّنها من تغيير الفكرة الرئيسية من النص الكامل وتحريف سياق ومعنى الموضوع الذي يتناوله. وجب على التلاميذ والمدرّسين الحذر خلال استخدام أو قبول أو نقل الحكايا الرمزية والأقوال المأثورة تجنّباً لإمكانية المساهمة غير المباشرة في تكريس معتقدات خاطئة يمكنها أن تعشعش في أذهان البعض لفترات طويلة أو ربما إلى الأبد، خاصة عندما تستعرض الحكاية الرمزية صوراً ومواقف تقود التلميذ إلى حالات تجعله يستنبط استنتاجات على المستوى العاطفي. من أجل التعرّف على ما أقصده بالضبط، كل ما عليك فعله هو متابعة النشرات الإخبارية التي تذيعها محطتان متنافستان سياسياً مثلاً وستلاحظ كيف يتم رواية ذات الحدث لكن بقصص مختلفة ووجهات نظر مختلفة. يمكنك ملاحظة أمور كثيرة مشابهة مثل سوء استخدام الأقوال المأثورة بالإضافة إلى سوء تفسير المواقف والخطابات. هناك الكثير من التقنيات والوسائل المؤثرة جداً التي يمكنها استئصال الحقيقة من جذورها واستبدالها بأكاذيب متشعّبة، وكل ذلك يحصل دون أن يفطن أحد لما يجري وكيف يجري. يستطيع الصحفيون مثلاً، أو حتى الموالون المتعصبون لقضية أو عقيدة معيّنة، أن يسوّقوا أهداف وغايات معيّنة عبر تحرير النصوص والأقوال بطريقة تناسب غايتهم. فيمكن لنص سخيف أن يتحول فجأة إلى موضوع مثير وممتع، بالإضافة إلى إمكانية تحريفه إلى سياق مقبول عبر سوء الترجمة والتفسير وكذلك الدور الكبير الذي تلعبه طريقة الإلقاء النص خلال إذاعته أو نشره.
على مدى قرون طويلة من الزمن، عمل المتعصبون الدينيون (في كافة المذاهب والطوائف) على تحريف وسوء تفسير النصوص المقدسة لغايات مختلفة، لكن أهمها هو أن تصبح أكثر إقناعاً وواقعية. ليس فقط يغيّرون السياق الرئيسي عبر سوء التفسير، التحريف، والخداع، وكل هذا يجري باسم الواحد الأحد، وتحت شعار الســلام والمحبــة، بل الهدف المبيّت يتمثّل بـ:
ـ نشر الجهل والكراهية بين الرعايا،
ـ نشر التمييز والتعصّب والتكفير،
ـ القمع والاستعباد،
ـ الميل للانتقام والثأر والقتل،
ـ البغاء والفحشاء والشهوة
ـ الحسد والطمع والابتزاز بالتهديد
ـ التعذيب والإرهاب
ـ المجازر والتطهير العرقي والحرب
إلى آخره.. إلى آخره...
هل لا زلت تظن بأن العالم الأكاديمي المحترم يخلو من المتعصبين المستعدين لتزوير الحقائق دون أن يأبهوا لنتائج عملهم على المستوى الجماهيري؟ إذا كنت لا تزال مستبعداً لهذه الحقيقة المريرة، فأصحو وانظر إلى الأمور بواقعية أكثر. تذكّر أن المدن والمجتمعات الفاضلة تجسّدت في خيال الفلاسفة وليس على الأرض الواقع، إنها مجرّد أوهام لا أكثر ولا أقلّ.. وستبقى كذلك إلى الأبد.
وجب الحذر جيداً من الأخذ بنظرية معيّنة كحقيقة ثابتة من خلال تفسيرها عن طريق رواية حكاية رمزية، لأن ما تظهره الحكاية الرمزية من استنتاجات وملاحظات قد لا تكون ذات صلة إطلاقاً بالتجربة العلمية المتناولة لتلك النظرية. فمثلاً، استخدم "أينشتاين" الحكاية الرمزية التي تناولت "تكافؤ القوة" force equivalence، واصفاً الطبيعة المتطابقة بين القوة الجاذبية المباشرة وبين نموذج القوة المتشكّل داخل الصاروخ المتسارع. عندما تكون منظومة قصور ذاتي inertial frame of reference في حالة تسارع، تتجسّد قوة حقيقية في تلك المنظومة، بسبب تغيّر معدّل انزياح الموقع positional displacement. لقد ادعى "أينشتاين"، وبشكل خاطئ، بأن المراقب الموجود داخل المنظومة المتسارعة لا يمكنه التفريق أو التمييز بين قوة القصور الذاتي inertial force وبين الجاذبية gravity. وقد اعتمد "أينشتاين" على التعقيد الشديد في شرح هذه الحكاية الرمزية (الصاروخ)، متبعاً طريقة سرد ومعادلات معقدة جداً مما تطلب الأمر تدخّل جهة ثالثة لشرح وتفسير هذه العملية للناس. لكن رغم ذلك، فقد أخفت هذه الحكاية الرمزية خطأ فادح! مقدماً مشاهدات وهمية على أنها حقائق ثابتة، عبارة عن فيزياء بديلة ليس لها أي أساس واقعي ولا تمت للحقيقة بصلة.
مع أن الأوهام التي تبرزها "نماذج قوة" مختلفة تنتج ذات التأثيرات ظاهرياً، لكن طالما أن الآلية تختلف، فلا بد من أن تتغيّر المقارنة بين القياسات الملحوظة كلما تغيّرت المسافة. بصرف النظر عن الموقع داخل منظومة متسارعة، فوجب قياس القوة المُطبقة على أنها تملك كثافة مكافئة وجهة سير متساوية. مع عامل مسافة خارج عن معادلة منظومة القصور الذاتي، وجب أن تمثّل قوة موجة الانزياح المنطلقة بعيداً عن المركبة المسافرة نوعاً من القوة القابلة للقياس، دافعة الوسيط الأثيري وكذلك أشيا أخرى بعيداً عن مسار طريقها، ويلحق بالمركبة قوة ارتدادية ناتجة من انهيار الوسيط الأثيري الذي تمزّقه المركبة خلال سفرها. لكن من ناحية أخرى، تجسّد الجاذبية قوة جذب تستند على عزم مُعتبر على طول وامتداد الوسيط، حيث أن مع ازدياد المسافة الفاصلة عن مصدر الانطلاق، تنخفض القوة المُقاسة تناسبياً مع مربّع المسافة. تنتج هاتان الآليتان المختلفتان تماماً نماذج قوة مختلفة وفريدة مع أنهما تظهران التأثير ذاته، ويتمثّل بقوة موجّهة تدفع مادة نحو مادة أخرى.
الجاذبية هي عبارة عن قوة تسارع تؤثّر في كتلة ثابتة. دعونا نتصوّر قوة قصور ذاتي متجسّدة خلال تسارع الطائرة عبر مدرج المطار، دافعة الركاب بقوة نحو مقاعدهم، ومن جهة أخرى، نتصوّر الطائرة ذاتها تسقط من السماء (سقوط حرّ) متوجهة نحو الأرض، حيث يتجسّد ما نسميه انعدام الجاذبية، سوف نجد أن الحالتان تختلفان تماماً. بعكس ما يعتقد "أينستاين"، تكشف الجاذبية عن الوهم الكبير الذي تمثّله خلال عملية السقوط الحرّ، حيث تكون جميع الأشياء داخل المنظومة المتسارعة (الطائرة الساقطة) تتسارع معاً بنفس المعدّل ودون إنتاج أي تأثيرات قصور ذاتي. خلاصة الكلام: خلال السقوط الحرّ، تصبح الجاذبية هي القوّة الفعالة.
يمكننا هنا ملاحظة السذاجة القصوى عندما تم اعتبار كل من الجاذبية gravity وتسارع القصور الذاتي inertial acceleration على أنهما تمثلان قوة واحدة. كل ذلك حصل عبر مجموعة من الحكايا الرمزية السخيفة، حيث تم تقديم حجج وبراهين علمية غير مجدية أصلاً بالإضافة إلى استخدام نظريات وهمية على أنها تمثّل حقائق ثابتة.
يمكن إيجاد الكثير من الأمثلة على هكذا حكايا رمزية موهومة في النصوص والأدبيات العلمية. عندما قرر "أينشتاين" بأن يدمج المجال الكهربائي مع المجال المغناطيسي وكأنهما وجهان مختلفان لكيان واحد غير منفصل يُسمى المجال الكهرومغنايسي، فعل ذلك دون تميز أو وصف أي آلية إطلاقاً، بينما في الوقت نفسه كانت الرياضيات الجبرية المتحية vector algebra (تتعامل مع حسابات المجالات والكميات الموجّهة) توصف الأوهام التي يظهرها التأثير المغنوـ مغناطيسي للذرّة magneto-magnetic atomic affect. لقد بدى واضحاً من أعمال أينشتاين بأن الهدف الرئيسي كان "إلغاء مفهوم الأيثر ?ther على أنه وسيط التوالد medium of propagation ". ربما دون قصد منه (نيّة بريئة)، منح أينشتاين النسبية لسرعة المراقب خلال معرفة كمية المجال الكهربائي والمغناطيسي المُراقب، لكنه بعدها ألغى المنظومة الكونية من المعادلة، وكذلك عامل الحركة داخل الوسيط، مقدماً بذلك مجموعة من التناقضات على أنها حقائق ثابتة بالملاحظة الملموسة، لاغياً النسبية من حركة المراقب داخل الوسيط. منذ ذلك الحين راح المدرّسون الأكاديميون يحرّفون هذه النظرة بهدف إنكار وجود الأيثر ?ther كوسيط كوني، بينما في الوقت نفسه نجد أنهم استمروا في استخدام رياضيات "ماكسويل" المستندة أصلاً على وجود الأيثر.
إن وجود الأخطاء الأساسية في الأدبيات العلمية تمثّل السبب الرئيسي الذي جعل نسبية أينشتاين relativity والنظرية الكمومية Quantum غير متوافقتان. ليس لأن أحداها صحيحة والأخرى خاطئة، بل كلاهما خاطئتان وتعتمدان على أوهام وبراهين افتراضية وحكايا رمزية ليس لها علاقة بالواقع، ولا يمكن التعبير عنهما سوى عبر معادلات معقّدة جداً ما من ضرورة لها أصلاً. من أجل أن يتخذ أي علم من العلوم صفة علمية حقيقية، وجب تمييز آلية الطبيعة التي يتناولها بشكل واضح وبسيط بحيث يمكن فهمه واستيعابه بسهولة، حتى لو تطلّب الأمر إلغاء نظرية قائمة مسبقاً. وجب على التصحيحات الجديدة أن تشرح كافة آليات وخواص المادة بطريقة تجعلها تبدو أقرب إلى الواقع، وليس كما هو حاصل الآن، حيث المعادلات الرياضية المعقّدة جداً التي تخفي في طياتها الكثير من الأخطاء والهفوات المستترة، وكثرة استخدام الحكايا الرمزية كوسيلة خداع فعالة تهدف إلى خداع الناس وإجبارهم على تصديق الخرافات العلمية على أنها حقائق واضحة.
بالإضافة إلى الحكايا الرمزية التي يعجّ بها المنهج العلمي الأكاديمي، هناك أيضاً ما نسميه التجربة الذهنية. وهي عبارة عن تجربة تقوم بها في ذهنك وتحصل على النتيجة ذهنياً دون أن يكون لها أي صلة بالواقع. لقد تم تطوير العديد من النظريات المحترمة جداً بالاعتماد على هذه الوسيلة فقط، أي دون الاستناد على أي إثبات ملموس على أرض الواقع. أحد الأمثلة المعروفة على هذا النوع من التجارب الذهنية تتناول اصطدام سيارة، ذات كتلة m تسافر بسرعة 50 وحدة في الثانية، بجدار صلب. هذه التجربة الذهنية تستعين بقانون نيوتن لإظهار قوة الجدار المقابلة على أنها متساوية ومتعاكسة، أي أن لها سرعة تبلغ 50 وحدة في الثانية. هذه الجدلية تستنهض عدة مفاهيم تقليدية خاطئة وسيئة التفسير، معتبرة هذه الحادثة الخيالية وكأنها واقعية بالفعل، حيث وجب على سيارتان تسافران باتجاه معاكس وبسرعة 50 وحدة في الثانية أن تصطدمان بقوة متساوية، دون منح أي اعتبار لكتلة الجدار. هكذا جدليات موهومة، عندما تم استخدامها لتفسير إما تصادم الإلكترون/فوتون والإلكترون/بروتون واجهت فشلاً ذريعاً لأنها لا تولي أي اعتبار للحركة النسبية وكذلك التأثيرات البيئية المحيطة. إن للسيارة المتحرّكة سرعة نسبية مع الجدار الثابت تقدر بـ 50 وحدة في الثانية، بينما السيارتان المتقابلتان تصطدمان بسرعة 100 وحدة في الثانية. هذا التوصيف يفشل عندما تكون السيارتان تسافران بنفس الاتجاه وتصطدمان بسرعة نسبية 50 وحدة في الثانية. مع أن السرعة النسبية قد تكون 50 وحدة في الثانية فقط، يمكن لاختلاف العزم أن يوفّر تأثيراً كارثياً. من أجل توضيح هذه النقطة، تأمّل ما يلي:
ـ اصطدام سيارتان تسافران بسرعة 100 و150 وحدة في الثانية بنفس الاتجاه.
ـ تُحسب الطاقة الحركية لكل سيارة وفق المعادلة التالية: KE = ½ m v 2
بعد مقارنة هذه الحالة مع حالة اصطدام السيارة بالجدار الثابت.
السرعة النسبية
السيارة A، سرعتها = 100
السيارة B، سرعتها = 150
½ m 2,500
½ m 10,000
½ m 22,500
1,250 m
<--- النتيجة لا تتساوى --->
B - A = 6,250 m
إن حصول هذه الحادثة فعلاً على الطريق، فإن السرعات متناسبة مع البيئة تؤثّر بشكل كبير على درجة الأضرار المترتبة نتيجة حادث اصطدام سيارتان تسيران بنفس الاتجاه. يزداد حجم الضرر مع ازدياد السرعة مع أن سرعة الاصطدام تبقى منخفضة نسبياً. يعتمد حجم الاصطدام على السرعة الفعلية بالتناسب مع مختلف حالات المنظومة البيئية المحيطة بحدث الاصطدام، بالإضافة إلى عوامل أخرى كثيرة، بما في ذلك مستوى القصور الذاتي inertia لدوران العجلات في كل سيارة، وكذلك محور المحرّك، وناقل الحركة.. إلى آخره.
تصميم وإعداد التجارب
خلال تصميم أي تجربة، وجب تبنّي الطريقة العلمية السليمة بشكل ملتزم ودقيق بحيث تستثني أي اعتبار للمعتقدات المسبقة والنظريات السائدة. وجب الحذر جيداً في هذه الحالات، حيث أن العلوم تقترف ادعاءات فظيعة من ناحية المعايير القياسية. بعض هذه المعايير تختلف من بيئة إلى أخرى ووفق حالات وظروف مختلفة، لكن العلم المنهجي تبنى هذه المعايير القياسية على أنها ثابتة في كل مكان وزمان ومهما كانت الظروف.
مهما كان الفرع العلمي، وجب على الطلاب احترام الأسباب وراء قبول المعايير القياسية بالإضافة إلى مبدأين رئيسيين وجب الأخذ بهما خلال البحث العلمي وإقامة التجارب والاختبارات:
ـ البحث التحليلي analytical
ـ البحث التركيبي synthetical
يعتمد البحث الكيميائي على كلا الوسيلتان. عند إخضاع مادة مجهولة للبحث، الخطوة الأولى في البحث التحليلي analytical تتمثّل بمعرفة العناصر التي تتألّف منها هذه المادة. الخطوة الثانية تتمثّل في محاولة تمييز الكميات المختلفة لهذه العناصر المؤلفة لهذه المادة أو المحلول. أما وسيلة البحث التركيبي synthetical فهي تعكس العملية، أي خلق مركبات معيّنة من خلال خلط مكوّنات ذرّية عبر الإضافة كيماوية لعناصر وجزيئات مختلفة. غالباً ما يكون التركيب الطبيعي المباشر للعناصر والمواد (مثل تشكيل حلقة البنزين من الغرافيت والهيدروجين) مناقض لطريقة الكيميائي في المخبر لأن الطبيعة تتبع طرق غير مباشرة وعبر آليات بيولوجية وجيولوجية مختلفة لإنجاز هذه العملية.
لقد ظهر مثال مشهور لهذه التقنية منذ قرنين من الزمن، عندما قام كل من "هنري كافانديش" Henry Cavindish و"جيمز وات" James Watt، وكانا يجهلان بعضهما وعملهما المستقلين، باستعراض محتوى الماء، عبر وسائل مختلفة، مبيّنان بأنه يحتوي على جزئين هيدروجين مقابل جزء واحد أكسيجين معبران عنها بالمعادلة التالية: 2 H2 + O2 = H2 O. ونتج عن خلط هذين الغازين ببعضهما ما يبدو أنه مخلوط غاز غير مؤذي في البداية حتى تأتي اللحظة الحاسمة التي يتم فيها تقريب شرارة أو لهب إلى هذا الغاز الجديد فيحدث تفاعلاً كيماوياً عنيفاً (انفجار). وجب الحذر الشديد خلال عملية شرح انفجار الأكسيجين/هيدروجين، حيث من المفروض أن ثلاثة أجزاء من هذا المخلوط الغازي يشكّل جزءاً واحداً من بخار الماء. في درجات الحرارة العادية، وجب على الانفجار أن يشكّل ماءاً سائلاً يكون حجمه أصغر من ألف على جزء واحد (1000/1 جزء)! ومع ذلك، خلال الانفجار الأوّلي، تنتج الحرارة المتحررة تمدداً كبيراً خلال قيام اللهب (النار) بتسخين البخار بشكل هائل، فينتج من ذلك كله قوة تستطيع تشغيل محرّك بستون (انفجار داخلي).
الطبيعة الفوضوية؟
لسوء الحظ، وصف "كافانديش" النشاط الجزيئي للغازات على أنه في حالة حركة وفوضى مستمرة ودائمة. وبما أن هذه التوصيفة الأوّلية بالإضافة إلى تفسيره الخاص شكّلا التفسير المقبول لدى المجتمع العلمي، أصبحت الفوضىchaos تمثّل الحجر الأساس للنظريات الكيماوية. رغم أن 200 سنة من الدراسات التالية قدمت نظرة مختلفة، لكن التزمّت والعقل المقفل الذي تميّز به القائمين على هذه المدرسة الكيماوية قاوموا بكل ما عندهم من قوة أي تغيير أو تعديل للنظريات البالية التي يتمسكون بها. خلال الفشل الواضح للنظرية الكهروكيماوية electrochemical theory (وحتى في تلك الفترة)، نمت نظرية الفوضى وترعرعت (في جو من عدم اليقين) إلى وهم كبير احتلّ العقول، فأصبحت هذه النظرية مع الوقت مقبولة وكأنها حقيقة كونية ثابتة، حيث أصبح من البديهي بالنسبة لكل عالم وأكاديمي القبول بأن النظام يأتي من الفوضى!! هل استخدم أحدهم عقله لبعض الوقت وتساءل: كيف يمكن للفوضى المطلقة وعدم التنظيم، وعبر آليات متناقضة وغير طبيعية منسوبة لقوانين الطبيعة التي لازالت مجهولة، أن تنتج التناغم، الدقّة، التناسخ والتطابق، والتنظيم المثالي الذي نجده في كل مكان من حولنا، إن كان على المستوى الكوني أو المستوى الجزيئي؟!!
من الناحية العلمية، لا يمكن استخدام الفوضى كنظرية قائمة بذاتها دون إدخال النظرية الاحتمالية، وبالإضافة إلى أنه وجب على كميات عشوائية لمحتويات عشوائية تدخل في تفاعلات عشوائية أن تنتج أحداث عشوائية مع محصلات ونتائج عشوائية، وبالإضافة إلى تشكّل رواسب تفاعلات العشوائية دون أي تنظيم محدّد، أو شكل محدّد، أو اصطفاف محدّد. ورغم هذا كله، نجد على أرض الواقع أن تفاعل المحتويات العشوائية تتبع تسلسل محدد، حيث تحصل أحداث محددة وفي أوقات محددة، منتجة رواسب تفاعلات بحيث يبدو أنها تتجمع اتكوّن أشكال جزيئية ذات شكل محدد، مجموعات محددة، اصطفاف محدد، وأخيراً نموذج محدد، كما لو أنها تتبع إرشاد قوة خفية عظيمة.
لقد أدّت المحاولات الحثيثة من قبل أتباع نظرية الفوضى لإيجاد الحجج والشروحات التي تشكّك في واقعية التنظيم الهندسي الخفي إلى بروز تناقض كبير في منهجهم العلمي الملتوي، واستمرّت كافة العلوم المنهجية في الإشارة إلى التفاعلات المختلفة في الطبيعة على أنها تستند على أساس فوضوي غير منتظم. من أجل شرح وتفسير النظام والتناغم المتجسّد في الطبيعة يتطلّب الأمر آليات وإجراءات عامة تجري على المستوى الذرّي والجزيئي، حيث تجري في هذا المستوى عملية اصطفاف، فرز، والتموضع، بينما تنتقل الطاقة بين المادة وأخرى. فمثلاً، معظم التفاعلات الكيماوية تستلزم تفاعلات فيزيائية حيث تجتمع الجزيئات والذرات، ثم تتفاعل لتحرّر أو تمتصّ الطاقة، لكن هذا يحصل عندما تتوافر الظروف المناسبة للتفاعل وكل ظرف محدّد يؤدي إلى حصول تفاعل محدّد.
إذاً فإن مظهر الفوضى وعدم التنظيم الذي تبديه الأشياء هو مجرّد خداع بصري يخفي وراءه تنظيم عظيم ومُدبّر مسبقاً. ومن أجل توضيح هذه الفكرة، استخدم مناصري التنظيم الحكاية الرمزية المشهورة باسم الفندق hotel، حيث توصف الحالة الفوضوية السائدة في المطبخ عند دخول مدير الفندق إليه. في هذه الحالة، فإن النشاطات الفوضوية الحاصلة في المطبخ (عمليات الطبخ والجلي وأصوات طقطقة الطناجر والصحون هنا وهناك..) ولّدت انطباع أوّلي لدى المدير بأن المطبخ في حالة فوضى عارمة، وهذا منعه من إدراك حقيقة وجود الانسجام الكامل بين العاملين والتعاون والالتزام في مهماتهم الموكلة إليهم، والدليل على ذلك هو المأكولات الشهية التي تخرج من المطبخ إلى الزبائن. أي أن الفوضى التي يتسم بها المطبخ ظاهرياً تخفي في طياتها تنظيم وإدارة وغاية تلزم جميع العاملين فيه.
رغم أن نظرية الفوضى تصرّ على افتراض التوزيع العشوائي المتجانس للمادة غير العاقلة في الكون، إلا أن تصرّف هذه المادة وسلوكها يشير إلى وجود آليات معيّنة مسؤولة عن هذا الانسجام والتنظيم الواضح والجلي. بدلاً من البحث في هذه الآليات الكامنة في الطبيعة، راحت العلوم تتطوّر متبنّية أفكار خاطئة مما زاد الأمر تعقيداً على مرّ السنوات، فنتج من هذا التوجّه الخاطئ ظهور نظريات ومفاهيم ليس لها أي علاقة بالواقع. إن الخطوط الحمراء التي وضعها القائمون على هذا المنهج العلمي بالإضافة إلى المفاهيم والمعتقدات الخاطئة التي تمسكوا بها وفرضوها بطريقة استبدادية أدت إلى رسوخ العقيدة الحالية التي يسلّم بها العلم العصري والمتمثّل بالطبيعة الفوضوية غير العاقلة للأشياء.
إن الجهل الكامل بالآليات الحاصلة على المستوى الذرّي لم تمنع الباحثين من إقامة الاختبارات، أو حتى تطوير النظريات المتناولة لطبيعة المادة، والطاقة، والتزاوج الكيماوي، وتركيبة الذرّة، والتوالد الإشعاعي، والمرونة، والرنين، وأخيراً الكهرباء والمغناطيسية. انطلاقاً من التأثيرات الحاصلة على المستوى الذري والجزيئي، لا يمكن للتأثيرات الحاصلة على المستوى الواقعي التي لوحظت بعد تطبيق طاقة معيّنة أن تُقاس سوى بتحديد التأثيرات الذرية والجزيئية التي تحصل نتيجة التفاعلات التي تولّدها المادة لتؤثّر على مادة أخرى.
عن طريق وصف الملاحظات المخبرية بمصطلحات ومعايير تستند أصلاً على نظريات غير مجدية ومقاييس افتراضية، بالإضافة إلى التحاليل التي أجريت وفق منظومات وشروط خاطئة، كل هذا ساهم في تفشّي الأخطاء والأوهام في كافة العلوم. وتم تجميلها وترقيعها عبر استخدام كم هائل من الحكايا الرمزية وكذلك التوصفات الموازية والمبسّطة بشكل كبير، هذه الأخطاء أيضاً أضيفت إلى المصيبة التي يعاني منها المنهج العلمي أساساً.
بدلاً من اعتبار الطاقة بأنها من عمل المادة أصلاً حيث تُنتج وتنتقل وتُكشف من قبل المادة، أصبحت الطاقة مهمة جداً بالنسبة للصناعة والاقتصاد الدولي والمجتمع العلمي لدرجة أن هذه الحقيقة تعرّضت للتحدي الكبير بسبب الطريقة الضخمة التي يتم فيها توزيع واستخدام الطاقة. في غياب أي مفهوم يتحدث عن المادة وتوالد الطاقة على أنها نموذج فريد من الطاقة، استخدموا المصطلح طاقــة على أنه يمثّل مفهوم قائم بذاته.
إن القبول بالأحداث التفاعلية للطبيعة أنتج نظريات توصيفية مستندة على تأثيرات وملاحظات قابلة للقياس، واعتبروها على أنها المسببات الأساسية، متجاهلين الآلية المستترة المسؤولة عن هذه المسببات. في تطوير المفاهيم العلمية والنماذج الرياضياتية التي تسمح بتنبؤ النتائج مسبقاً، تم قولبة التفسيرات وتحليل الملاحظات لتناسب قوالب المفاهيم الفيزيائية الوهمية، بالإضافة إلى النظريات الكيماوية وتلك التي تتناول المادة بشكل عام. عبر وصف ملاحظات مخبرية وهمية، إن كان عن طريق معادلات رياضية (تم تصميمها لكي تناسبها) أو مفاهيم ونظريات وهمية، أعاد العلم تعريف موقع الطبيعة في الكون، بحيث تم تحريف النموذج الفيزيائي الحقيقي لهذا الكون، وتجسّد ذلك بالفعل بعد ظهور نظرية تجميلية تهدف إلى ستر وتغطية كافة العيوب والهفوات المعشعشة في هذا العلم المنهجي. هذه النظرية هي النظرية الكهروكيماوية للمادة electrochemical theory of matter.
النظرية الكهروكيماوية
بعد ابتكارها عبر إقامة تفاعلات كيماوية في البيئة الأرضية، وكما العديد من الملاحظات المخبرية الوهمية الأخرى، برز ما نعرفه بالتأثير الكهروكيماوي electrochemical effect. هذا الخطأ الرئيسي الذي فرّخ كم هائل من الأخطاء الكبرى، والذي أصبح عقيدة قائمة بذاتها، أصبح معروف بالنظرية الكهروكيماوية. وقد ظهر بعدها الكثير من النظريات التجميلية لترقيع وستر عيوب النظرية الأم (الكهروكيماوية)، بالإضافة إلى دعمها والتثبيت من مصداقيتها على حساب الكثير من النظريات الأخرى التي كان لها نظرة أخرى حول الطبيعة وآلية عملها. على مدى قرنين من الزمن، حورب الكثير من النظريات التي تحدّت مصداقية هذه النظرية الكهروكيماوية القائمة وتم إبعادها تماماً من الساحة الأكاديمية المحترمة. يبدو أن العلوم المنهجية فضّلت البحث عن الحقيقة عبر النظريات وليس في رحاب الطبيعة!
بعد أن انسحبت العلوم من رحاب الطبيعة وتمركزت في عروشها العاجية في الأكاديميات والمختبرات، بدأت النظريات التجميليةcosmetic theories (مهمتها الترقيع والتستّر على الهفوات) تسترسل في إقامة توصيفات لا أساس لها بخصوص المظاهر الطبيعية المختلفة، حيث كانت تعتمد ليس على مشاهدات عينية أو ملاحظات مباشرة بل استمدّت الحقائق والبراهين من النظريات الوهمية القائمة مسبقاً، والتي كانت متناقضة والتفافية وليس لها علاقة بالحقيقة.
طوال فترة القرن التاسع عشر، بقيت كل من الكهرباء والمغناطيسية والسلوك الكهربائي عصيّة عن التفسير. رغم أن استخدام مصطلح "التيار الكهربائي" أصبح شائعاً ومألوفاً عبر الوقت وكثرة الاستخدام، إلا أن طبيعة هذه الظاهرة (التيار الكهربائي) بقيت مجهولة وغامضة تماماً حتى اليوم! فلا زال الجميع يعتمدون على مفهوم زئبقي وخاطئ بخصوص هذا الشيء الغامض، لكنهم أجمعوا على تقبّل فكرة تتمثّل بقطعة سلك ناقل مسؤول عن نقل جزيء غامض عبره، كما يجري الماء داخل أنبوب، لكن الحقيقة لا زالت مجهولة حتى الآن. لا أحد يعلم ما هي الكهرباء اليوم! حتى الفيزيائيين والمهندسين الكهربائيين!
أما نتائج الاختبارات التي تحدّت النظريات الأكاديمية القائمة (والتي من المفروض أنها تمثّل الحقيقة) تعرّضت للهجوم وتم استبعاد واقعيتها عن طريق التفسيرات الالتفافية. كانت ولا زالت الكهرباء، كما باقي الظواهر الأخرى، توصف وتُعرّف فقط عن طريق النظريات القائمة وليس غيرها، ووجب على الجميع القبول والانصياع دون تحدي أو مجادلة أو محاولة تصحيح أو تعديل! في هذا الوضع، وعبر السنوات اللاحقة، ظهرت توصيفات متناقضة للمادة وخواصها، مع ظهور مبادئ وقوانين معقّدة والتفافية، وكل منها تدعي بأنها ولّدت تأثيرات فريدة وخواص معيّنة في نفس المادة وجميعها تختلف عن بعضها البعض. لقد امتنع المجتمع العلمي عن دراسة إمكانية وجود آلية واحدة عامة وشاملة مسؤولة عن كافة التأثيرات الملحوظة في المادة. وكنتيجة لهذا التقصير أو الإهمال أو التجاهل، برز الكثير من الأشياء الغامضة خلال محاولات تفسير سلوك المادة وطبيعتها (مثل شفافية الهواء، ظاهرة الأوراق الذهبية، قطرة الماء، الزيت، حجر من الكالسيت Calcite، البلاستيك، الزجاج…) جميع هذه المظاهر وُصفت وتم تعريفها وفق النظريات السائدة وليس سواها، فظهرت نظريات جديدة تستند على النظريات القديمة الخاطئة أصلاً، فتعاظمت المصيبة أكثر وأكثر. وبالتالي، مع كل اكتشاف جديد برز ألف سؤال وسؤال.
لا زال الكثيرون يفترضون بشكل خاطئ بأن مصداقية النظرية وجدواها تستند على عدد التوقعات الصحيحة التي قامت بها طوال فترة استخدامها. لكن في الحقيقة، إن طول عمر النظرية لا يثبت مصداقيتها وجدواها، خاصة وأن الكثير من الاستثناءات والغوامض غير المُفسّرة لم يجدوا لها إجابات شافية وفق تلك النظرية. لقد عانت تفسيرات "فاراداي" للمجال المغناطيسي من مجموعة تبسيطات متناقضة لأمور أساسية. لقد أستخدم معلومة "التدفّق المغناطيسي" magnetic flux (أي الجريان المغناطيسي) في الوقت الذي كان فيه يعرّف خط القوى line-of-force ككيان حقيقي فريد من نوعه، أي: شيء له حجم ووزن ومحتوى، بدلاً من وصفه على أنه خط كفافي على خريطة تظهر مناطق القوى والضغط أو نسبة الجريان. مع أن التدفّق يبدو وكأنه نوع من الأربطة المتواصلة غير المكسورة، والمجالات المغناطيسية تتصرّف بشكل سيولي، وأن التدفّق لا يحتاج إلى أن يبقى ملتزماً بنفس الربطة (العروة) خلال المحافظة على استمراريته داخل وعبر وبين المواد.
من العلاقة بين الآلية الذرية التي تولّد المجال، وتأثيرات هذا المجال الملحوظة، اختار "فاراداي" الطريق الأسهل، مشيراً إلى التأثيرات الملحوظة للمجال كوسيلة لمعرفة أو توقّع التأثيرات الناتجة من الإجراءات المجهولة والآليات المسؤولة عن التأثير على المادة في المستوى الذري. خلال تطوير الأدوات الرياضياتية الأساسية التي تستطيع حلّ المسائل المتعلقة بأحداث هذا المجال، أدى استخدامه للملاحظات الوهمية إلى إلغاء أو التخلي عن البحث عن أي آلية مسؤولة في التأثير على المادة في المستوى الذري، مثل آليات مسؤولة عن خلق وتوالد تأثيرات مجالية مغناطيسية وكهربائية في المادة.
إن معظم النظريات الرياضياتية العصرية التي توصف النظرية المجالية field theory جاءت من أعمال "جيمز كلارك ماكسويل" الذي نجح في العام 1864 بجمع أعمال "أمبير" و"كولومب" و"فاراداي" و"لينز"، و"أورستد"، و"أوهم"، والكثير غيرهم، في نظرية مجالية شاملة ومتكاملة، مستخدماً الديناميكية السيولية fluid dynamics للأيثر ?ther المنتشر في كل مكان. سوف يتم تبسيط معادلاته المعقّدة فيما بعد (وقد تم قضم الكثير منها)، أي خلال تطوّر النظرية الكهربائية في القرن العشرين. بدلاً من تعريف نظرية المجال بأنها نظرية تخصّ المادة، يتم توالده من قبل المادة على المستوى الذري، استندت معادلات ماكسويل مباشرة على الملاحظات الوهمية التي تم قياسها وتدوينها مسبقاً. بما أن نموذجه الرياضياتي قام بتعريف التقنيات المطلوبة لوصف التأثيرات المباشرة الملحوظة لأي آلية مجالية سيولية، فيمكن إجراء توقعات دقيقة عند تطبيق هذه المعادلات على أي وسيط سيولي، دون تحديد الآلية التي تخلق المجال المتشكّل في ذلك الوسيط.
فمثلاً: إن تكييف الهواء بواسطة عدد من المراوح الكهربائية المتقاربة (كل منها مثبّت في داخل أنبوب اسطواني معلّق ومتوازن) تنتج قوى مشابهة لتأثيرات المجالات الكهربائية أو المغناطيسية. يتم التجاذب بين الاسطوانات عندما تكون مصطفة في وضعية تسمح فيها بمرور التيار الهوائي عبر كافة الاسطوانات، لكن عندما تكون الاسطوانات مصطفّة جنباً إلى جنب بشكل عشوائي، تبدأ قوى النفر بتحريك الاسطوانات حتى تصطفّ بطريقة تجعل التيار الهوائي يمرّ عبرها جميعاً عن طريق المسار الأقلّ مقاومة. إن كل اسطوانتان متقابلتان بنفس جهة جريان الهواء، إن كان شفط متقابل، أو نفخ متقابل (كما الأقطاب)، تنتج هذه الحالة تأثيرات تنافرية. هذه الآلية تتعلّق بجريان الهواء، حيث أن العلاقات الجزيئية في الجو المحيط والضغط الجوي ينتج نفس المشاهدات الوهمية.
إن البنية الرياضياتية العبقرية لماكسويل والتي توصف الديناميكية السيوليةfluid dynamics ، ورغم إمكانيتها للعمل كأدوات ملائمة ومجدية، إلا أنها لا تثبت مصداقية وواقعية النظرية الكهرومغناطيسية. وجب التمتع بالحذر الشديد خلال تطبيق معادلات ماكويل على المستوى الذري، لأن المشاهدات الوهمية الحاصلة على المستوى الطبيعي فشلت في وصف تفاعل الآليات الجزيئية والذرية المسؤولة عن كافة التأثيرات الملحوظة القابلة للقياس. مع معرفة حقيقة أن المجال هو من إنتاج وتعزيز المادة، يمكن بسهولة تطبيق معادلات السيولة اماكسويل، دون حصول أي تناقضات، على النموذج الميكانيكي للأيثر ?ther. ينتج المجال المغناطيسي الماغنو ـ ميكانيكي الذرّي أساس ميكانيكي مجدي لترجمة تظرية ماكسويل الكهرومغناطيسية وكذلك تأثيراً أيثرياً ?ther effect متولّداً من المادة عبر الكون. إن آلية الطبيعة المسؤولة عن النظام والتناغم ونقل الطاقة يشمل الإجراءات المغناطيسية ثلاثية الأبعاد للمادة والتي تتواصل، وتصفّف، وتنقل، وترتّب وتبني المادة على المستوى الذري والجزيئي، بينما تقوم بنقل الطاقة مغناطيسياً من مادة إلى أخرى عبر استخدام نماذج مختلفة من الطاقة.
مع تقبّل الفيزيائي البريطاني "أيرنست روثرفورد" Ernest Rutherford لنظرية "ديفي" الكهروكيماوية دون أي إثبات أو برهان، أدت تفسيراته وتحليلاته للأوهام التي تستخدم النموذج الكهروكيماوي السائد إلى ظهور الكثير من الادعاءات الباطلة بخصوص بنية الذرة. رغم أن نموذج الذري لروثرفورد ذو الغيمة الإلكترونية يناقض كل من نظرية الدوران، والثيرموديناميك، والجاذبية، والكهرباء، والمغناطيسية، والكهرومغناطيسية، لكن المجتمع العلمي احتضن هذه الفكرة معبرها استثناءً وأعظم من أن تكون محط جدال أو تشكيك. والوسيلة الوحيدة لفرض هذا النموذج وإثبات صحته تتمثّل باستخدام الحكايا الرمزية والقبول الأعمى دون حاجة للاستناد على برهان، أو ربما ترتيب الكواركات quarks (الوهمية أصلاً) مع بعضها دون تحريف.
بالرغم من أن الأبحاث الأخيرة تمكنت من إثبات عدم جدوى نموذج "روثرفورد" من خلال وضع الذرات في قمة "نفق الميكروسكوب الإلكتروني الماسح" scanning tunnelling electron microscope، لكن الكيمياء المنهجية امتنعت عن تصحيح أو تعديل الخطأ في النظرية الذرية والكيماوية بسبب التكلفة المادية الباهظة المترتبة نتيجة تغيير منهج كامل، أو ربما للحفاظ على ماء الوجه!
ربما يكمن المثال الأكثر مأساوياً الذي يكشف عن تطوّر ونمو التعصّب العلمي وانغلاقه للأفكار الجديدة هو في مجال الكهرباء والمغناطيسية حيث أدت المشاهدات الوهمية التي تم مراقبتها وقياسها إلى ظهور نظرية كهربائية بعيدة كل البعد عن الواقع الحقيقي للطبيعة. كلما ظهرت نظرية إضافية في هذا المجال كانت تستند على النظرية الأساسية الخاطئة أصلاً وبالتالي زاد البعد عن الحقيقة أكثر وأكثر. بما أن الشحنات الكهربائية ذات الأقطاب المتشابهة تتنافر، والأقطاب المتعاكسة تتجاذب مشكلة مجالاً كهروستاتياً على أسطحها، ورغم الإثباتات التي تم مشاهدتها مثل الطبيعة الآنية والنسبوية للمجال مما يشير إلى مجال جريان على المستوى الجزيئي، إلا أن هذه المشاهدات تم تفسيرها بالاعتماد على افتراضات مُتفق عليها مع أنها خالية من أي أساس صحيح، مانحة للإلكترونات الافتراضية أصلاً قوة نفر تبادلي وشحنة دائمة على المستوى دون الذري.
يكشف تاريخ النظرية الكهرومغناطيسية عن عدة مسائل أساسية واجهت الباحثين، حيث من المفترض أن التكنولوجيا التي تطوّرت من تلك النظرية أن تؤدي إلى تصحيح النظرية. لكن لسوء الحظ، لأن الأخطاء الكامنة منذ الأساس كانت مُقدّسة ومقبولة على أنها حقائق ثابتة لمدة طويلة من الزمن، راحت التحسينات والنظريات التجميلية المراعية لتلك المسلمات تزيد من بعدها عن الحقيقة أكثر وأكثر.
في عملية تسويغ النظرية الكهرومغناطيسية أثناء تأسيس المعايير الأساسية العالمية international establishment of basic standards في بداية القرن العشرين، لم يُسمح أبداً للحقيقة أن تُفسد حكاية جميلة، لأن الاعتراف بخطأ النظرية يعني فقدان كبير لماء الوجه، بالإضافة إلى أن الأمر سيتطلّب إعادة كتابة النظريات العلمية من البداية، لأن كل النظريات مترابطة ومتسلسلة وتنفذ إلى بعضها البعض، وطبعاً كلها خاطئة ووهمية، وبالتالي فتغير واحدة منها يُعتبر أمراً مستحيلاً! من خلال امتناعهم عن تصحيح الأخطاء الأساسية، قام المجتمع العلمي بخذلان العلم الأصيل عبر تبني مواقف ملتوية والتفافية لتجنّب الفضيحة. حيث الشعار كان: عندما تتناقض الملاحظات المخبرية مع النظريات التقليدية، وجب أن نعاملها كاستثناءات أو غوامض.. وجب تجاهلها.. أو ربما نبيّنها على أنها بدعة.. نشرح عدم جدواها أو نستبعدها عن طريق تهميشها.. وننتظر حتى تأتي نظرية جديدة في المستقبل وتنقذنا من هذه الورطة!
بالاعتماد على أعمال "غيلبرت" (كتابه المشهور "المغناطيس" De Magnete)، بنى "أتو فون غوريك" آلة احتكاك بسيطة حيث تم إنتاج الشرارات عن طريق تدوير كرة من الكبريت. حوالي 1720، تمكن "ستيفن غراي" من التميز بين النواقل الكهربائية والعوازل. في العام 1729، مرّر "غرانفيل ويلر" شحنة كهربائية عبر خيط عازل طوله 270 متر. خلال هذه الفترة في أوروبا، كانت الاستعراضات الكهروستاتية تعتبر أدوات تسلية للبلاطات الملكية.
أوّل آلة كهروستاتية تُصنع من قبل "أوتو فون غوريك"
قضى "بنجامين فرانكلن" (1706 ـ 1790) عشر سنوات محاولاً خلالها فهم واستيعاب المجال الكهربائي. والكثيرون اليوم يفترضون خاطئين بأنه المخترع الأوّل للكهرباء، ذلك عبر المنظر الفني المشهور المتمثّل بإمساكه بطرف خيط مربوط بطائرة ورقية، ويتخلله مفتاح.
فارنكلين والطائرة الورقية المشهورة
بسبب تركيز الرسامون على هذه الوضعية المشهورة لبنجامين فرانكلن والمفتاح والطائرة الورقية، والبرق يلمع في الجو، مات العديد من الأشخاص الغافلين نتيجة تصديق هذه العملية الخطيرة جداً حيث طبقوها عملياً ولقوا حتفهم في الحال!
يفترض البعض بأن فرانكل هو الذي ميّز نوعين من الشحنة الكهربائية، عندما عرّف ثلاثة حالات مختلفة للشحنة الكهربائية التابعة للمادة. لقد ميّز فرانكلين هذه الشحنات فلسفياً مع استخدام رموز رياضياتية، فاختار الرمز [+] للإشارة إلى الشحنة الموجبة، والرمز [-] للإشارة للشحنة السالبة، وأي شيء مجرّد من الشحنة أشار إليه بأنه بملك شحنة حيادية أو معادلة. تم قبول هذه المواصفات للشحنة الكهربائية، وعبر 200 سنة من شيوع استخدامها واكبها تقم كبير في مجال الكهرباء. دون أي إثبات للطبيعة الحقيقية للشحنات، اقترف فرانكلن خطأ فادح عندما عرّف التيار الكهربائي الجاري في سلك ناقل بين شحنتين على أنه ينتقل من الشحنة الموجبة الفائضة إلى الشحنة السالبة الناقصة. (سوف أشرح هذه الجدلية في مكان آخر)
خلال هذه الفترة، أدى غياب المعايير والقياسات الثابتة، وكذلك أدوات اختبار البدائية، إلى خروج الكثير من الباحثين عن المسار، كل يعمل على مزاجه طريقته الخاصة. وحالة التشتت هذه دفعتهم في النهاية إلى القبول بمنهج عام يوحّدهم ويجمعهم في مسار واحد، وهذا أدى إلى تقبّل النظرية الكهربائية الملتوية التي تطوّرت أصلاً من مفهوم خاطئ. في العام 1767م، راح "جوزيف بريستلي" يستكشف الكهرباء الستاتيكية بالاعتماد على ملاحظات فرانكلين وقانون نيوتن حول الجاذبية، فتعرّف على تأثير غريب حيث عندما توضع الأشياء داخل إناء معدني مكهرب تمتنع عن الانجذاب نحو سطح الأرض. هذه الملاحظة الموهومة أدت بـ"بريستلي" إلى موازاة المجال الكهربائي بمجال الجاذبية، معبراً عن القوة بين الشحنات الكهربائية بأنها تتفاوت وفق مربع المسافة الفاصلة. في العام 1772م، أكّد "هنري كافانديش" الثبات الواضح في تأثير قانون المربع المتعاكس inverse square law لنيوتن، مصادقاً بذلك على ملاحظة "بريستلي".
في العام 1785م، قام "أوغوستين دي كولومب" بحذر بقياس القوة المتنافرة بين شحنتين متشابهتين مستخدماً ميزان تورسوني torsion balance، معلقاً قضيباً مشحوناً على ألياف مطاطية مرنة. رغم أن تجربته قابلة للنجاح أيضاً في حدود أنبوب زجاجي وكذلك داخل وسيط، إلا أن كولومب أثبت جدوى قانون المربع المتعاكس inverse square law لنيوتن. أعادة هذه التجربة ثانيةً مستخدماً التأثير التنافري بين أقطاب مغناطيسية متشابهة فأكّد مرة أخرى العلاقة المتضادة بين القوى مع عامل المسافة. وبالتالي أصبحت ثلاثة معادلات متشابهة قابلة للتطبيق على نظريات مجال مختلفة. هذه المعادلات ليس لها علاقة مباشرة بالقوة المتوالدة داخل أو خارج منظومة قصور ذاتي!
قوة الجاذبية لنيوتن
القوة الكهربائية لكولومب
القوة المغناطيسية لكولومب
F = G ( m1 .m2 ) / d2
F = k ( q1 . q2 ) / d2
F = k (p1 . p2 ) / d2
G , the gravitational constant
الثابت الجاذبي
k , the permittivity
الإجازة
k , the permeability
النفاذية
ملاحظة: بالرغم من الاختلافات الواضحة في خواص الحقول وميزاتها وتأثيراتها، ومن دون أي مفهوم عملي للمادة، ولا آلية أو إجراءات، قام المنظّرون الفرضيون (بما فيهم أينشتاين)، وهم مقتنعون بتشابه معادلات الحقول الثلاثة، باقتراح نظرية مجال موحّد. بعد موت "أينشتاين"، قام المتعصبون للنظرية النسبية، في محاولة لإثبات صحّة معتقدات أينشتاين، بالاعتماد على التعقيد الرياضياتي بالإضافة إلى التنظير والتكهن والخرافة، مطوّرين في النهاية نظرية مجال موحّد unified field theory دون أي أساس ولا آلية أو برهان. فكانت تستند بالكامل على تحزيرات نظرية، وتكهنات، وأخطاء. لقد ابتدع الفيزيائيون والرياضياتيون عملاً خيالياً مذهلاً دامجينه مع خمسة أبعاد افتراضية مجهولة خلال توحيد كل من المجال الكهربائي، المغناطيسي، والجاذبي، مع استثناء كافة البُنى المجالية الأخرى وكذلك الأوساط المتوالدة propagation mediums التي تُطبّق عاليها معادلات ماكسويل المجالية.
منحت طبيعة تجربة كولومب باحثي تلك الأيام حرية كبيرة لأنه ما من حاجة لمعرفة أو قياس قيم قوة الحقل. إن القياس الوحيد المطلوب هو معرفة درجة فتل التورسون في المطاط المرن. من خلال التعامل مع كميات شحنة كهربائية q مجهولة، وكذلك قوة المجال المغناطيسي p، نسب كولومب قياساته للقوة المخزّنة في المطاط المرن المقابل لعملية الفتل، وهي قوة يمكن قياسها مقابل الجاذبية الأرضية للكتلة. بينما تترشّح الشحنة الكهربائية إلى الوسيط بمعدلات معيّنة، تؤكّد قيم الشحنة النسبية، المأخوذة في أوقات مختلفة، حصول مضاعفة في المعادلة بسبب قيم القوة المختلفة التي حصل عليها. لقد سمح هذا التصميم البدائي والبسيط للتجربة باستنتاج جهود شحنة مختلفة وغير ثابتة، وكذلك الحال مع قوى المجالات المغناطيسية. صحيح أن التلاميذ العصريين اليوم يحوزون على أجهزة قياس فولطية، وقياس شدّة المجالات، ومراجع قياس وتعيير، وغيرها.. لكن وجب على التلميذ أن يضع نفسه مكان الباحث كولومب ويتصوّر كيف كانت الحالة البدائية في مختبره المتواضع، محاولاً وفق هذه الظروف القاسية أن يحدد شدة المجالات الكهربائية دون استخدام أي من أدوات الاختبار العصرية. ربما كان يستخدم مقياس كهربائي بدائي ذات الأوراق المعدنية، ومرطبان ليدن كمكثّفة... وهكذا.. وجب العلم بأن شدة المجال الكهربائي كونه تأثيراً نسبوياً، فبالتالي ترشيح الشحنة يعتمد على الكثير من المتغيرات بما فيها درجة الرطوبة الجوية وكذلك مستوى الشحنة في الجو.
المقياس الكهربائي الشائع خلال بدايات استكشاف الكهرباء
عبارة عن مرطبان زجاجي وفي داخله ورقتين معدنيتين
في العام 1790م، حقق البروفيسور في مجال التشريح بجامعة "بولونا" Bologna، "لويجي غالفاني" اكتشافاً مثيراً. تمكن من إحداث اختلاجات في أطراف ضفدع ميت عندما لامست معادن مختلفة أعصابه. بعد 2000 سنة من اختراع الخلية الكهربائية في بابل، أعاد "غالفاني" إحياء هذه الأداة لكن بنموذج بسيط مؤلف من معدنين مختلفين. رغم أن الكثيرون يعيدون الفضل إلى "غالفاني" بأنه مخترع الكهرباء، إلا أن الطاقة التي استكشفها ليس لها علاقة بالكهرباء التي نعرفها. لقد كان "غالفاني" طبيباً وليس كهربائياً. (سوف تتعرفون على المزيد حول هذا الموضوع في مكان آخر من هذه الدراسة).
بعد أن استخلص "أليساندرو فولتا" آلية "غالفاني" المُستكشفة بأنها ذات طبيعة كهربائية أكثر من كونها بيولوجية، أخذ أبحاث "غالفاني" وطورها، واجداً وسائل كيماوية مجدية لتوليد الكهرباء. بما أن كثافة النشاط الكهربائي في تلك الخلية البسيطة عجزت عن فتح ذراعي أوراق المقياس الكهربائي (في تلك الأيام لم يكن مألوف سوى الكهرباء الستاتيكية)، ظنّ فولتا بأن العيب يكمن في ضعف التيار الذي تولده الخلية، فأضاف المزيد من الخلايا المعدنية المزدوجة مكوناً كومة طويلة أصبحت معروفة بـ"كومة فولطا"(عام 1800). رغم أن هذا النوع من الكهرباء غير قابل للقياس (التأثير في أوراق المقياس الكهربائي) إلا أن فولطا استطاع استعراض الظاهرتين المألوفتين للكهرباء، وهي توليد شرارات وكذلك الصدمات الكهربائية. (سوف تتعرفون على المزيد حول هذا الموضوع في مكان آخر من هذه الدراسة)
تمكن توليد الكهرباء كيماوياً من تمييز عدة اعتبارات مهمة. لقد أستعرض فولطا كيف أن وصل عدة خلايا وبطاريات ببعضها بشكل متسلسل أدى إلى زيادة فرق الكمون بين المنفذ الأوّل والأخير. وكما أن الحلقة الأضعف في سلسلة الخلايا تؤثّر على قوة السلسلة بالكامل، كذلك الأمر ينطبق على سلسلة البطاريات حيث الخلية الأضعف تخفض من قوة التيار الكهربائي الناتج من سلسلة البطاريات. وكذلك تبيّن أن التوصيل المتوازي للخلايا الكهربائية يزيد من جريان التيار (دون إحداث تغيير ذو قيمة في فرق الكمون).
سلسلة بطاريات فولطا
في نفس السنة، تقدم الدكتور "جون دالتون" بفرضية عبقرية واصفاً المادة، مقترحاً ببساطة وجود ذرات فريدة وغير قابلة للانقسام، فهي موجودة كعناصر نقية. إن مركّبات الأجسام المختلفة متشكلة من تجمّع هذه الذرات بنماذج مختلفة، ذرة على ذرة، ذرة على اثنين،.. وهكذا. الذرة المركبة، أو الجزيء، توصل نفسها بنفس الطريقة إلى مركب ذري من نوع آخر، فينتج مركّب المرحلة الثانية combination of the second order، حيث وجب أن يكون المركّب المتشكّل محدّداً، أي محتوياً على نفس عدد الذرات وتوزيعها، وجميعها مرتّبة بنفس الطريقة. بما أن العناصر تملك أوزان ثابتة مختلفة، تدعم هذه الفرضية وجود أسباب ملائمة لتفسير القانون العددي للتركيب الكيماوي وكذلك قانون النسب المتعددة the law of multiple proportions.
لم يطول الوقت قبل أن يحوّل "كروكشانك" Cruikshank منظومة خلايا فولتا المتسلسلة إلى بطارية واحدة قائمة بذاتها. ذلك عن طريق اصطفاف صفائح من الزنك والنحاس الملحومة ببعضها وملصوقة في حُجر متسلسلة على طول حوض من خشب الماهوغاني (أكاجو)، ويفصل بينها قواسم من الخشب أو الفلّين. لكن بسبب الحمض الموجود في محتوى المحلول، (100 جزء ماء مقابل 2.25 جزء زيت الزاج vitriol و2 جزء من حمض الآزوت Nitric acid)، اضطرّ أخيراً إلى استبدال حوض الخشب بحوض من الفخار.
كروكشانك يبني نموذججديد من البطارية
كما بيّنت في السابق، ينقسم البحث الكيماوي إلى قسمين: التحليلي والتركيبي. قام "هومفري ديفي" (1729 ـ1829) بعكس هذه العملية. جادل بأنه إذا تم تغطيس قطبي بطارية قوية في أي محلول كيماوي، فلا بد من أن تنفصل العناصر المركبّة التي تؤلفه. بما أنه كان يملك إحدى أفضل البطاريات في أوروبا خلال تلك الفترة، قام بعكس العملية، مستعرضاً أوّل علمية تحليل كهربائي، وبعدها راح يطبق هذا النوع من التحليل بالكهرباء على محاليل مختلفة مكتشفاً بأن المركبات الكيماوية الأرضية هي عبارة عن تشكّل بين الأكسيجين وأسس معدنية. لقد زاد إحباط "ديفي" خلال تعامله مع الأملاح القلوية alkali salts لأنها رفضت الكشف عن أسرارها. رفضت التفكّك في المحلول. وفجأة راودت "ديفي" فكرة ذكية عام 1807م تتمثّل بإجراء تحليل كهربائي جاف على الأملاح القلوية الكريستالية. عبر هذه الطريقة، تمكن "ديفي" من تحرير الصوديوم المعدني في الهواء من الملح العادي. وعندما بدأ هذا المعدن يتأكسد بسرعة، أدرك بأن تفاعلية هذا المعدن منعته من التخلي عن المحلول. كمية صغيرة من الصوديوم المعدني الساقط على الماء خلق تفاعلاً خاطفاً، حارقاً الماء ومحرراً الهيدروجين. لكن المشاكل التفاعلية برزت مع معادن قلوية أثقل حيث اشتعلت مجرّد أن تعرّضت للهواء.
بطارية ديفي العملاقة
بدأ "ديفي" و"فولتا" وآخرون غيرهما يبحثون عن أسباب مجدية لتفسير الاختلاف الكبير في كثافة التفاعلات الملحوظة في محاليل عادية (مثل الماء المالحة، كبريتات النحاس، أو الخلّ) الواقعة بين أزواج مختلفة من الأقطاب (مثل الزنك أو النحاس مقابل النحاس، الفضة، الحديد، أو القصدير). في حالات معيّنة، ينجذب العنصر إلى المنفذ السالب، بينما في حالات أخرى ينجذب نحو المنفذ الموجب. بهذا، بيّن "ديفي" أن ما نسميها العناصر النادرة rare earths هي أكسيدات معادن بدلاً من كونها عناصر. ميّز الهيدروجين على أنه يمنح الحموض خواصها وميزاتها. بعدها بقليل، قام "ديفي" بتوظيف مُجلّد الكتب "مايكل فاراداي" (1812م) كمعاون له (وبدأت بعدها شراكة مميّزة بين الاثنين). في العام 1823م، اقترح "ديفي" طريقة لمنع الصدأ وتآكل الثقالات النحاسية المُثبّتة في قواعد السفن.
فاراداي، من مجلّد كتب بسيط إلى أشهر الرموز في مجال الكهرباء
بعد إصابته بالإرباك والحيرة حول الطبيعة غير التامة للنسبة المتفاوتة للجريان الكهربائي واختلاف المحتويات التفاعلية ورواسبها، كلها لوحظت بين الأحواض الكيماوية والتفاعلات الكيماوية المتعلقة بأقطاب معدنية مختلفة، طلب "ديفي" النصيحة من "فاراداي". وقد نتج من جواب "فارادي" مصطلحات جديدة، مبسّطة جداً، مما دفع "ديفي" إلى استكشاف وتسويق فكرة "التزاوج الجزيئي" molecular bonding على أن لها طبيعة كهروكيماوية. من دون أي إثبات أو آلية ذرّية، راح "ديفي" يصنّف ويجدول العناصر الـ63 المعروفة، عن طريق معدلات التزاوج والوزن الذرّي، وخرج أخيراً بنظام بسيط جداً يستطيع التنبّؤ مسبقاً بنتائج التفاعلات. عبر وسائل تحليل تنبؤية خاطئة ومشكوك بأمرها، استخدم جزيء وهمي يُدعى الإلكترون electron كوسيلة للتفاعلات الكيماوية. قبل ظهور أي مفهوم يتعلّق بجدول التسلسل الذري للعناصر، تبيّن القائمة التالية (تعود إلى الفترة بين 1840 و1850) تصنيفات مختلفة للعناصر المعروفة.
إن عنصر هاليدي halide أو ميحاد monad كهروـ سالب غير معدني مجتمع مع معدن ميحاد كهرو ـ موجب أو عنصر قلوي يحرر إلكتروناً واحداً، مشكّلاً ملحاً تظهر محتوياته علاقة موحّدة. ذات العلاقة الموحّدة تظهر عندما يجتمع عناصر زوجية مشحونة بشكل متعاكس، محررة إلكترونات. لم يحاول "ديفي" في فرضيته أن يفسّر طريقة أو آلية عمل هذا الربط أو التزاوج الكيماوي. هذه المسألة سوف تبرز إلى السطح بعد قرن كامل من الزمن، أي عندما يلاقي نموذج "روثرفورد" الذري فشلاً ذريعاً في توافقه مع النظرية الكهرومغناطيسية، ومعادلات ماكسويل، والنظرية المدارية الأساسية basic orbital theory، أو حتى لتفسير النظرية الكهروكيماوية والتزاوج الكيماوي مع احترام التنافر الكهروستاتي لكل غيمة إلكترونية ذرية. من أجل فرض هذا النموذج الذري الخاطئ بالقوة، تشكّل فرع ثانوي في كل من الفيزياء والكيمياء وميكانيكا الكم، فقط من أجل جعل هذه النظرية تلاقي مكاناً لها عبر البروبوغاندا.
كون كل شيء بدا كاملاً، بدأت الفرضيات المناسبة والمسلمات الجدلية التي توصف المشاهدات الوهمية للمادة تتوافق مع نظرية "ديفي" (الكهروكيماوية). كون النظرية الكهربائية لازالت في مرحلة الطفولة، مع توجّه عدة مشاهدات وهمية نحو تشكيل الأسس المناسبة للنظرية الكيماوية، ومع السماح لظهور عدة باحثين يوصلون النظرية الكيماوية بالنظرية الكهربائية، تم تكريس هذا المنطق على أنه الحقيقة عبر إطالة مدة استخدامه، دون أن يستندوا بذلك على أي آلية معروفة أو برهان ملموس. مع مرور الوقت، أدى اكتشاف عناصر جديدة وإتباع وسائل متطورة للاختبار والفصل الكيماوي إلى ظهور عدد متنامي من الاستثناءات الكيماوية! بعض العناصر امتلك بُنى متعددة الربط multiple bonding structures وهذا منافي تماماً للنظرية الكهروكيماوية، بينما ظهرت تفاعلات أخرى نشاطات تفاعلية غير ملتزمة بالمعايير المتبعة، محررة إلكترونات بمعدلات تختلف عن المقاييس الطبيعية. أصبحت تتناقص تفاعلية العناصر الهاليدية halide elements مقابل تنامي الكتل الذرية، بينما أصبحت المعادن القلوية الأثقل أكثر تفاعلية.
مع حلول العام 1816م، كان النظرية الكهروكيماوية قد انتشرت في جميع أنحاء أوروبا وأمريكا، وأدى تطوير التصاميم وتعديلها إلى تحسين مستوى إنتاج الخلايا للكهرباء بالإضافة إلى طول عمرها. بعد مواجهة مشكلة كبيرة تتمثّل بتآكل المعادن الثمينة (الأقطاب) المغمورة في المحلول الحمضي لخلية البطارية، وجد "وليام ولاستون" حلاً مجدياً بالنسبة لتلك الفترة، حيث صمم طريقة لرفع الصفائح المعدية عن الأحواض الحمضية خلال عدم استخدام البطارية.
رغم أن المجال الكهربائي يظهر بوضوح في الهواء، لكنه لأسباب مجهولة، فشل في الظهور داخل الماء والمحاليل المحتوية على الماء. تمكنت الاختبارات المستخدمة لنفس نوع المعادن كأقطاب (بدلاً من معادن مختلفة) من تحرير مواد حمضية عند إحدى المنافذ القطبية ومواد قلوية عند المنفذ الآخر خلال تفكيك الماء المقطّر إلى عناصره المركبة، بشرط أن يحتوي المحلول على كمية قليلة من الشوائب النشطة. لهذا السبب، اعتقد العديد من الباحثين بأن التيار الفولتي (نسبة لبطارية فولتا) يحوز على قوة غامضة، منتجاً الأحماض والقلويات حول الأقطاب. لقد أدرك "ديفي" مدى أهمية المحلول في حوض التحليل وعرفه باسم "الكهروليت" electrolyte. مع هذا التوجّه الجديد في التفكير، تعرّف على التلوّث الغريب للماء المقطّر بالرخام القادم من أكواب الرخام المُستخدمة لتقطير الماء واختبارات أخرى لتفكيك المحاليل. رغم أنها بدت منيعة ومستقرة كيماوياً، إلا أن الماء تفاعل مع الرخام منتجاً حمض الهيدروكلوريك hydrochloric acid عند القطب الموجب، والصودا soda عند القطب السالب. اكتشف "ديفي" بأن أكواب العقيق Agate حرّرت السيليكا silica، بينما أكواب الذهب جذبت النيتروجين من الهواء مشكلاً حمض النيتريك والأمونيا (نشادر). لتمييز المتغيرات، أجرى "ديفي" التجربة في صمام مفرغ من الهواء. بما أن عملية التفكّك توقّفت بالكامل تقريباً، استنتج بأن الماء المقطّر في شكله الأنقى لا يمكن أن يلعب دور الكهروليت.
أدى الفشل الظاهر للمجال الكهربائي في الماء إلى بروز تفسيرات متناقضة وغريبة بخصوص المادة. بالرغم من أن الماء النقي بصفته عازل لا ينشر مجالاً كهربائياً، إلا أن الهواء ينشره بسهولة. الماء بحاجة لشيء آخر ليجعله ناقلاً، شوائب مثل الأملاح، الحموض، السكر، الكحول، الأساسات.. إلى آخره. طالما أن كمية صغيرة من السكر المضافة إلى الماء تفتل زاوية الضوء القطبي المار عبره، فلا بد للشوائب أن تحدث تغييراً في اصطفاف جزيئات الماء. أصبح من الواضح إذاً أن الحموض تجعل جزيئات الماء تصطفّ نحو جهة معيّنة، بينما الأساسات تجعلها تصطفّ في جهة معاكسة فتعكس التأثير.
لقد أثبتت الأبحاث التي أقامها علماء مستقلون بأن تحليل الماء النقي باستخدام أقطاب من نفس المعدن تكشف عن حصول تأثيرات مجالات كهربائية على المستوى الجزيئي بعد 40 ساعة. والماء النقي إذا تعرّض لمصدر كهربائي (تيار مستمر) قيمته 10.000 فولت سوف يتفاعل بشكل عنيف مولّداً خرج كهربائي أكثر بكثير من طاقة الدخل.
في العام 1818م، تعرّف "ثينارد" Thénard على أوّل أكسيد هيدروجين معروف بعد الماء، ويُشار إليه بثاني أكسيد الهيدروجين HO2. وبعدها سيتم اكتشاف بروكسيد الهيدروجين Hydrogen Peroxide ويُرمز له بـ H2 O2ويُعرف أيضاً باسم ماء الأكسيجين. كلا هذان الاستثناءان في الكيمياء المألوفة أصبحا مصدر تشويق وافتتان. كيف يمكن للهيدروجين أن يكون له تكاؤ ذري بقيمة 4، كما هي الحال مع ثاني أكسيد الهيدروجين H+4 O2-2، أو تكافؤ ذري بقيمة 2 كما هي الحال مع بروكسيد الهيدروجين H2+2 O2-2 ؟! إن التفسير الكهروكيماوي لأي عنصر يحوز على تكافؤ ذري متعدد يناقض المنطق، إلا إذا كان هناك مسبباً آخر للتزاوج الذرّي والذي سبب ظهور الكثير من الاستثناءات، بما في ذلك الأوزون O 3.
يبدو أن النظرية الكيماوية بحاجة إلى آلية جديدة تستطيع عبرها تفسير آليات الطبيعة أحادية الوجوه ومتعددة الوجوه، حيث أن عملية الصدأ تجسّد تزاوجاً كيماوياً ذرياً مغناطيسياً عبر مجالات الحيّز المغناطيس واصلة بين العناصر بجزيء. جميع الوسائل المتبعة لفصل الجزيئات المحبوسة تطلق عملية احتراق منتجة الجزيء المؤكسد بالكامل، ربما مع تحرير الأكسيجين. يمكن لعملية الاحتراق أن تكون قوية جداً بحيث تشكّل انفجاراً، كما تبيّن أنه في درجة حرارة تقارب 100 درجة مئوية ينفجر بروكسيد الهيدروجين بشكل عنيف. وقد أنتجت محاولات عديدة لفصل الجزيء المحبوس نفس التفاعل الاحتراقي متطلباً مستويات الطاقة ذاتها لإطلاق عملية التفكيك الكيماوية.
LiO 2 + LiO 2 Li 2 O + O 2
Li 2 O 2 2 Li 2 O + O 2
LiO 2 + Li 2 O 2 Li 2 O + O 2
طالما أن النظرية الكهروكيماوية قادرة أن تعمل بشكل ميسّر ورتيب (بغض النظر عن مدى صحّتها)، بقي الوضع كما هو طوال 200 سنة دون حصول أي تطوّر أو تحسين في النظرية. وهذين القرنين من الزمان شهدا ظهور حالات معيّنة ولّدت أخطاء بدأت تتعاظم أكثر وأكثر، فقط لأنه وجب تفسير كل شيء وفق النظرية الكهروكيماوية. وقد سارت الأبحاث المتناولة للمجال الكهربائي والمغناطيسي في طريق موازية لتلك النظرية طوال هذين القرنين، حتى حصلت مشاهدة مخبرية بالصدفة أدت إلى ربط الجريان الكهربائي بالمغناطيسية. رغم أن ضربات البرق كانت معروفة بأنها تدمّر التأثيرات المغناطيسية، إلا أن الأمر لم يتجلى بوضوح قبل عام 1819م، عندما ربط "أورستد" بالصدفة بين الجريان الكهربائي والمغناطيسية. فقط بعدها بدأ "أندريه ماري أمبير" Ampère يجري أبحاثه على هذه الظاهرة غير المألوفة. بالاستناد على هذه المشاهدة في العشرينات من القرن التاسع عشر 1820's، طوّر فرضية عبقرية حول السلوك المغناطيسي، مفسراً تأثيرات تيارات كهربائية مختلفة مستخدماً إبرة البوصلة التي لبتكرها "أورستد". شاهد قوة جذب عندما يجري تياران بنفس الاتجاه، وقوة نفر متساوية الشدة عندما يجريان باتجاهات متعاكسة. بعد لفّ وشيعة حول حذوة فرس، استخدم "أمبير" تيارات كهربائية صغيرة لتوليد مجالاً مغناطيسياً قوي بما يكفي لحمل أوزان ثقيلة. أما التيارات الأكثر شدّة، فقد استطاعت مغنطة المعدن بشكل دائم. وبعد عكس التيار تتلاشى المغنطة الدائمة في المعدن. إحدى أكثر التأثيرات إثارة هي عندما يقطع التيار عن الوشيعة يتجسّد موجة مغناطيسية معاكسة بعد انهيار المجال المغناطيسي المتشكّل في الوشيعة.
المقاييس الكهربائية
المحاولات الأولى لقياس التيار وكذلك الجهد الكهربائي مغناطيسياً عانت من خطأ واضح في التصميم، حيث قام المختبرون الأوائل بوضع أبر بوصلة داخل وشيعة كهربائية، ويتم تمرير التيار عبر الوشيعة، لكن كانت المغناطيسية الأرضية تؤثّر على عملية القياس. باعتمادها على جهة جريان التيار الكهربائي، كانت جريانات كهربائية بسيطة تحرف إبرة البوصلة إما بجهة عقرب الساعة أو عكسها، من محور شمال/جنوب إلة محور شرق/غرب، أي دوران 90 درجة.
لمدة 70 عام من الاستخدام، كانت الأجهزة القياس هذه تتعرّض لتأثيرات وظروف خارجية بالإضافة إلى المجال المغناطيسي الأرضي. بعد هذه الفترة، اقترح "أمبير" فكرة أن المسؤول عن تجسّد المجال المغناطيسي الأرضي هو وجود تيارات كهربائية هائلة تجري في أعماق الأرض.
حاول أمبير إيجاد حل للمجهول عبر التعيير والقياس. في محاولة لإزالة الميل الدائم لإبرة البوصلة للاصطفاف مع جهة المجال المغناطيسي الأرضي، استعان بمنظومات "أستاتية" astatic وُضعت بطريقة حيث شدّتين متطابقتين مركب عليهما أبر بوصلة ممغنطة، إحدى الإبر تتحرّك بحرية فوق الوشيعة والإبرة الأخرى داخل الوشيعة، فيمكن لتيارات كهربائية نسبية مارة عبر الوشيعة أن تُقارن من خلال استخدام دائرة متدرّجة مُثبّتة فوق الوشيعة وتحت الإبرة العُليا. بعد الانتهاء من إيجاد حلول مناسبة لتجاوز تأثيرات المغناطيسية الأرضية، برزت المسألة الأصعب، المتمثلة بالتعيير calibration. في تلك الفترة، لم يتم بعد استكمال التقنيات المناسبة للتعرّف على فرق الكمون (الجهد)، شدة التيار، المقاومة، التأثير الحراري، أو معدّل الاستطاعة. لقد مثّل جهاز "أمبير" أوّل حركة قياس يمكن الاعتماد عليها جزئياً بحيث تستطيع الإشارة إلى حصول جريانات نسبية للتيار. دون وجود أي معايير، ولا وسائل تعيير، كانت المشاكل الكثيرة في تصميم هذه الأداة تحدّ من درجة دقّتها في القياس. لسوء الحظّ، هذه المقاييس الكهربائية البدائية كانت تعاني من مشكلة أساسية أخرى، حيث أن أي تطبيق لجهد كهربائي عالي (ستاتيكي) يعمل على تدمير مغناطيسية الإبرة الداخلية.
المقياس الـ"أستاتي" الذي صممه أمبير
في غياب وسائل مجدية لقياس فرق الجهد الكهربائي وجريان التيار، لم تكن نتائج التجارب المبكرة ذات أهمية تُذكر. لقد جاهد الباحثون الأوائل في الظلام لعدم توفّر المعايير المناسبة وكذلك التعريفات وأدوات الاختبار، والمعرفة اللازمة، بالإضافة إلى الجودة. رغم أن التجارب التي أجريت يمكن تكرارها بنجاح والخروج بالنتائج ذاتها، إلا أن المتغيرات التصميمية وعدم اليقين في القياسات أدى إلى الخروج فقط بنتائج تقريبية وافتراضات تستند على مشاهدات مربكة للأحداث والتأثيرات. وقد باءت المحاولات لوزن الإلكترونات (الافتراضية) الجارية في وشيعة بالفشل (مستخدمين ميزان رافد)، وقد ظنوا ربما يعود هذا الفشل لتأثيرات المجال المغناطيسي الأرضي. والمحاولات لقياس قوة الجذب والنفر مقابل قوة الجاذبية، مستخدمين ميزان رافد بين وشائع حاملة للتيار وصفائح معدنية ومغناطيسية، كانت نتيجتها الخروج بمشاهدات دلالية وليس ثابتة.
بدا أن توليد الكهرباء مدمّر كيماوياً حيث وصل التيار بمحلول كيماوي جعل الأقطاب المعدنية تذوب وتتلاشى بشكل أسرع من العادي. راحت المشاهدات الوهمية تزداد.. وتزداد معها الغواص التي ترفض الطبيعة الكشف عنها بسهولة، وأصبح مجال الكيمياء مهماً جداً، وتم تبني الفلسفة القائلة بأن الكيمياء هي أعظم العلوم حيث كل الطاقة في الكون تأتي من طاقة كيماوية! لكن هذه النشوة لم تدم طويلاً، فقد تحدّت الطبيعة هذا التوجّه المتزايد في العام 1822م، عندما لاحظ البروفيسور "سيباك"Seebeck في برلين ألمانيا تأثيراً كهربائياً غريباً غير مدمراً. تبيّن أن تسخين نقطة الوصل بين معدنين مختلفين (مثل البزموت والأنتيمون) يولّد تياراً كهربائياً مجدياً بالمقارنة مع خلية فولتا. وجد "سيباك" أن عدم التساوي في الحرارة أو الضغط أو الكثافة يمكنه أن يولّد جريان كهربائي في المعادن، خاصة في المنطقة المحيطة بنقطة الوصل بين المعدنين، إن كان نقطة لحام أو تشويه طبيعي. بالاعتماد على المعادن المستخدمة، تنتج حرارة الوصلة أوالدارة أو المعادن المختلفة تأثيرات أصبحت تُسمى بـ"تأثير المزدوجات الحرارية" عندما توصل ببعضها. في البداية، حاول الكيميائيون استبعاد هذه الظاهرة الجديدة معتبرينها بدعة ناتجة من التآكل أو تفاعلات كيماوية حاصلة في اللهب الذي يسخّن الوصلة بين المعدنين. وهكذا كان رد فعل أنصار النظرية الكهروكيماوية تجاه الظاهرة التي أصبحت تُعرف بالبطارية الجافة. فقد رفضت الجمعية الملكية للعلوم (التي يحكمها كيميائيون) الكثير من الدراسات والأبحاث التي قدمها علماء لامعين حول هذه البطارية الغريبة التي تولّد جهود عالية بدلاً من شدة تيار. (لقد ذكرت هذا الموضوع بالتفصيل في مكان آخر من هذه الدراسة).
إن أغرب تأثير أظهرته الازدواجية الحرارية على يد "سيباك" هو في قطعة معدنية منفردة، في مناطق محيطة بنقاط منحرفة جزيئياً، أو مشوّهة طبيعياً أو وصلات أنتجتها مؤثرات خارجية مثل الضغط الشديد أو الإجهاد أو لحام. لأسباب متعذر تفسيرها، ظهر جريان كهربائي موجّه عبر منطقة التشوّه أو الوصلة. وكذلك جهد تطبيق كهربائي خارجي بهدف اللحام قام بتغيير كمية الكهرباء الجاري عبر المعدن. بقي هذا التأثير الغريب يُعتبر طوال 60 سنة مقبل لدى العلم المنهجي مجرّد بدعة خارجة عن المألوف، إلى أن أعيد إحياؤه من جديد. فهذا التأثير السخيف لم يكن له أي قيمة مالية بسبب غياب أي سبب لتطبيقه صناعياً في العام 1888م. وبعد 120 سنة تقريباً، تم تناول هذا التأثير باهتمام كبير وخضع للأبحاث المكثّفة حيث سجّل العديد من براءات الاختراع التي تتناوله، وقد أصبح فيما بعد يُسمى "الترانزيستور" transistor! بدلاً من تفسير هذا التأثير في سياق الازدواجية الحرارية واصطفاف المادة الناتج من الوصلة، قامت النظرية الكهربائية بتفسير الترانزيستور من خلال تغيير مواصفات المادة بالكامل، حيث يتناولون هذا التأثير عبر استخدام نماذج جزيئية افتراضية (وهمية) تتمثّل بالثقوب "P" و" N" الموجودة في الوصلة!!
الأمر المثير للعجب هو أن السبب الحقيقي وراء تجسّد تأثير الازدواجية الحرارية بقي مجهولاً. أول فكرة فطينة جاءت في العام 1841 لـ"جيمز بريسكوت جول" James Prescott Joule الذي قام بقياس التأثير الحراري للتيارات الكهربائية. من خلال أعمال "جول" المستعرضة لظاهرة التمدّد الثابت للمعادن وتشوّه الشرائط ثنائية المعدن، تم تطوير أجهزة قياس التيار الكهربائي ذات الخط الساخن. خلال تمدد شريطاً معدنياً، أو تشوّه ثنائي معدن، يشير مدى التمدّد الحراري إلى التيار الجاري عبر الدارة، بشرط أن لا يذوب الشريط أو يتبخّر. رغم أنه شاع استخدام هذه الأجهزة للقياس، وظهرت في الكثير من أجهزة "ماركوني" للبث اللاسلكي، لكن لا يمكن الاعتماد عليها في تحديد التيارات المنخفضة بدقة، ذلك بسبب نسبية التأثيرات الحرارية.
ملاحظة:
بسبب طريقة تدريس الأنظمة التعليمية، غالباً ما يفشل الطلاب اليوم في ربط معادلة الاستطاعة P = I 2 R بحالة التمدد الحراري في المواد، حيث أن تياراً كهربائياً I ، يمرّ عبر وسيط ذات مقاومة كهربائية R ، ينتج تأثيرات حرارية وفق تشتت الاستطاعةP ، مولدة معدّل خطّي من التمدد مع ازدياد في الحرارة. وبالتالي، وجب النظر إلى الحرارة على أنها لوغريتم logarithm وفق أسس معحددة، وفقاً للعملية I 2 R، كمعتمد على النشاط المغناطيسي للمادة. مع ازدياد دوران الذرة عند ازدياد النشاط، يزداد جريان التيار في هذه الذرات، وبالتالي فالمجال المغناطيسي المتزايد يحتاج إما لحجم أكبر أو تغيير في الاصطفاف. مع ارتفاع الحرارة، قد يتمدد العنصر مع تمدد المجالات المغناطيسية، أو يتقلّص مع التغيير في شدة الاصطفاف أو الربط. مع ازدياد المسافة بين المجالات، تصبح الذرات والجزيئات أكثر تعرضاً للظروف الخارجية، وربما تتحرّر من المادة الحاضنة.
في تجربة فريدة من نوعها، صمم البروفيسور "دي لاريف" De La Rive أوّل نموذج لما يُسمى مقياس الوشيعة المتحركة. يطوف بمساعدة حلقة كبيرة من الفلين، هذه المنظومة تتصرّف كبوصلة كهرومغناطيسية. أدخل "دي لاريف" حلقة الفلّين في وعاء زجاجي مفرغ، وبطريقة ما جعلها تعمل كخلية فولتا (عبارة عن صفيحة نحاس منحنية وقطب مركزي من الزنك) موصلة ببعضها عبر حلزون سلكي طويل. أنظر في الشكل التالي:
وضع هذه الخلية لتطوف على سطح بركة من الماء. في البداية، راحت هذه الخلية الكهربائية تطوف دون أي توجّه محدد. بعد إضافة محلول حمضي أو ركيزة معيّنة إلى الوعاء الزجاجي الفارغ، تم تفعيل البطارية حيث ولّدت جرياناً كهربائياً. عندما تمغنطت الوشيعة، اصطفّت بشكل تلقائي مع الشمال المغناطيسي. طالما بقي هناك جريان كهربائي في المنظومة، تستمر هذه البوصلة الكهرومغناطيسية في التجاوب مع أي شيء ممغنط قريب منها، كما هي الحال مع البوصلة العادية.
في العام 1827م، توصل الدكتور "ج.س. اوهم" G.S. Ohm إلى اكتشاف وسيلة لتعيير المقاسات الكهربائية، حيث بحث في قدرة اختبار المواد خلال إخضاعها لحالات ثابتة حاملة للتيار. خلال هذه العملية تعرّف على ما يُعرف بـ"المقاومة الكهربائية" electrical resistance. معظم المواد أظهرت مقاومة ثابتة، حيث أن:
المقاومة = فرق الكمون عبر المادة / التيار يمر عبر المادة
ثم، من معرفة المقاومة لمادة ما:
التيار الكهربائي = فرق الكمون عبر المادة / مقاومة المادة
وبالتالي، فإن فرق الكون (أو الفولتاج) يعادل:
فرق الكمون للمادة = التيار المار عبر المادة × مقاومة المادة
رغم أن أغلبية الناس يعيدون الفضل لفاراداي في اكتشاف التحريض المغناطيسي (1831م)، لكن تأثير القوة الكهربائية الارتجاعية back EMF التي لاحظها "أمبير" وغيره، وهو القوة المتشكلة بعد انهيار المجال المغناطيسي المتولّد كهربائياً، تم تطبيقه عملياً على يد الدكتور "نيف" Neef الذي بنى جهازاً مبدعاً يُسمى بـ"الوشيعة التحريضية" induction coil (أنظر في الشكل التالي).
التيار الكهربائي الجاري في الوشيعة الداخلية يشكّل مجالاً مغناطيسياً في اللب المعدني مما يجعله قادر على جذب فاصلة ليفتح دارة أخرى. عندما تفتح الفاصلة، تمنع مرور أي تيار كهربائي في الوشيعة الداخلية فينهار المجال المغناطيسي. عندما تعود الفاصلة لمكانها مرة أخرى، تغذي المجال المغناطيسي مرة أخرى عبر تمرير التيار من خلال الوشيعة، لكنها ما تلبث أن تفعل ذلك حتى تنجذب مرة أخرى لتفصل التيار فيتهار المجال المغناطيسي. إن تعديل النابض d والوصلة c يغيّر معدل الذبذبة في الشريط المعدني b. قام "نيف" بجعل المجال المغناطيسي المتذبذب يقوم بعمل مثير جداً. فقد جسّد جهداً كهربائياً متذبذباً في الوشيعة الخارجية فتمكنت من إطلاق شرارات كهربائية كبيرة بين النافذ. لقد ساهم كل من فاراداي، ولينز، وتيسلا، وبوتش في تحسين هذا الجهاز فيما بعد.
بعد أن نتج من التجارب التي أجريت على الكهرباء والمغناطيسية وسائل مختلفة لمغنطة الحديد، لاحظ الباحثون وجود انحناءات مغناطيسية بين تيارات كهربائية مختلفة مارّة في الوشيعة حتى تبلغ شدة المغنظة. بعد ترك الحديد الحامي يبرد وسط مجال مغناطيسي قوي، يتم تثبيت الخواص المغناطيسية لقطعة الحديد بحيث تتحوّل إلى مغناطيس دائم. وبنفس الوقت، فقد أنتجت مركبات معدنية مختلفة حدود متفاوتة لقدراتها المغناطيسية. في ظروف عادية، اتبع الحديد الليّن (الطري) انحناءات مغناطيسية مشابهة واصلاً إلى حد معيّن رغم أنه ملتزم بجهة الكهرومغناطيس. تبيّن أن هذا الانحناء في الشدة المغناطيسية منسوبة لحالة تُسمى "التلاكؤ" hysteresis (نزعة المادة الممغنطة إلي البقاء في حالة مغناطيسية). كشفت الفحوص المجهرية للحديد والفولاذ بعد تصليت ضوء قطبي عليها أن هياكل عدة أصناف من الفولاذ يمكنها تجسّد عدة أنواع من المغانط. هذه الهياكل الكريستالية أصبحت أكثر وضوحاً عند مغنطتها وتم إنسابها إلى حالة التلاكؤ الممغنط magnetisation hysteresis ، حيث الاصطفاف التناسبي للكتل المغناطيسية المتشكلة من كل كريستالة منحت الفولاذ شدة مجاله المغناطيسي الكلي.
لم تمض فترة طويلة قبل أن يدرك الباحثون الفوائد الكامنة للتلاكؤ الممغنط magnetisation hysteresis. فعن طريق تطبيق جهد كهربائي موجّه على اللّب الحديدي اللليّن للمحوّل، يمكن بعدها التحكّم بطاقة كهربائية كبيرة بالإضافة إلى تضخيمها. خلال هذه الفترة، أي قبل اكتشاف التضخيم الإلكتروني electronic amplification، تم استخدام المضخمات المغناطيسية للتحكم بالأسلحة وتثبيتها بدقّة (مدافع). لقد ساهم "ماركوني" في تطوير مضخمات مغناطيسية لإرسال ومن ثم استشعار إشارات راديوية منخفضة جداً عبر مسافات طويلة.
مخطط مضخّم مغناطيسي
بعد توفّر أدوات أفضل وأكثر جودة، سمح لإجراء قياسات أكثر دقة، أصبح بالإمكان استخدام المقارنة الأولية بين نشاط عنصر معيّن والحوض الكيماوي للتنبؤ بالجهد الكهربائي للخلية. أصبح هذا أساس ما نعرفه اليوم بـ"تسلسل نشاط الذرّي" activity series، حيث أن الاختلاف بين النشاط الذري لعنصرين ونشاط المحلول، ينتج الجهد النهائي للخلية، أو "القوة المحرّكة الكهربائية" EMF المتجسّد بين منافذ الخلية.
من أجل تبسيط دراسة النشاط الكهربائي والمغناطيسية، أوجد "فاراداي" قواعد وقوانين محدّدة رأى أنها ضرورية لتأسيس معايير ثابتة تكون متوافقة مع المشاهدات العينية. إن فشل "فاراداي" في فهم واستيعاب "الدايامغناطيسية" وبالإضافة إلى سوء تفسيره للتدفّق المغناطيسي magnetic flux، أدى إلى تأسيس ولادة عدة أخطاء كبرى، حيث بقيت الطاقة الكامنة وراء التدفق المغناطيسي مختبئة عن طريق القياسات المظللة للتحريض المغناطيسي B. هذا العمل تجنّب الضرورة لتفسير آلية المجال المغناطيسي وتأثيره الذري على المادة.
بين عامي 1831 و1833م، وبالاستناد على النظرية الكهروكيماوية التي أوجدها "ديفي" بالإضافة إلى تحاليله المخبرية، اقترح "فاراداي" المحتوى الطبيعة للكهرباء عن طريقة صياغة مفهومه الخاص عن التحليل الكهربائي:
1ـ إن كمية الشحنة الكيماوية المتولدة من تيار كهربائي تبقى متناسبة مع كمية الكهرباء.
2ـ إن كميات المواد المختلفة المتحررة نتيجة كمية معيّنة من الكهرباء هي متناسبة مع أوزانها التكافئية الكيماوية، حيث أن:
الوزن التكافئي الكيماوي = الوزن الذري/تكافؤ
بما أن المواد تتفاعل بطرق مختلفة بحضور مجال مغناطيسي، ميّز فاراداي ثلاثة أنواع من المادة المغناطيسية:
ـ الدايامغناطيسي Diamagnetic: المضغوط من قبل المجال المغناطيسي
ـ البارامغناطيس Paramagnetic: ضعيف الانجذاب للمجال المغناطيسي
ـ الفيرومغناطيسي Ferromagnetic: المنجذب بقوة للمجال المغناطيسي
التأثيرات الدايامغناطيسية المتصلة بالجزيئات البارامغناطيسية في وسيط مصطفّ مغناطيسياً، يكشف عن تأثير اصطفافي جزيئي في المجال حول المغناطيس حيث يعمل الاصطفاف الذي تجسده المادة على حمل المجال. بعد تعريفه على أنه "النفاذ النسبي للوسيط" m، تابع فاراداي، مدرجاً ثلاثة طرق لتحريض التيار الكهربائي في السلك. يستطيع تحريك المغناطيس، تحريك السلك، أو كما استعرض "نييف"، يمكن إحداث تغييرات في شدة المجال المغناطيسي (اختلاجات في كثافة التدفّق المغناطيسي). بعد ضرب قيمة كثافة التدفق المغناطيسي H مع المقطع العرضي للمساحة التي مرّ عبرها، حصل فاراداي على وسيلة سهلة للتنبؤ بقيمة التحريص المغناطيسي B دون أن يصف أو يفسّر آلية هذا التحريض. بعد هذا كله، قام فاراداي بتصميم وبناء دينامو عام 1831م.
لسوء الحظ، بعد تطبيق معادلات فاراداي على الجزيء الافتراضي الذي يسمونه إلكترون، واجهت هذه المعادلات فشلاً ذريعاً، لأنها كانت تخرج دائماً بنتيجة تشير إلى تجسيد طاقة إضافية مجهولة المصدر. وبالإضافة إلى ذلك، عند تطبيقها على حالات أخرى، مثل اعتبار سلك طويل لا متناهي، أو اعتبار مقطع عرضي لمساحة كبيرة جداً، تشير النتائج إلى خرج كهربائي لا متناهي. هذه التناقضات في المشاهدات والمعادلات والنتائج أجبرت العلم المنهجي على تبني وسيلتين مختلفتين تماماً لقياس شدة المجال المغناطيسي.
رغم أن فاراداي ميّز الخواص الدايامغناطيسية، إلا أن مشاهداته كانت مربكة بسبب حضور جزيئات بارامغناطيسية أكثر قوة في الجو. فأثبتت الجزيئات الجوية في الاختبارات أنها تضغط وتلفظ المواد البارامغناطيسية الأضعف، فارضة على هذه الجزيئات أن تستعرض الخواص العينية التي اعتبرها فاراداي بأنها ذات طبيعة دايامغناطيسية.
هذه العبارات تحدد مكان المفتاح المطلوب لفتح الباب إلى البنية الحقيقية للطبيعة والكون من حولنا. قبل اكتشاف الغازات الدايامغناطيسية الخاملة inert diamagnetic gases (الهيليوم، النيون، الأرغان، كريبتون، كسينون، راندون) عرّف فاراداي الهيدروجين H 2 بأن لديه خواص دايامغناطيسية، بلاً من كونه جزيء دايامغناطيسي.
في غياب نموذج ذرّي مناسب، لم يستطيع فاراداي اتخاذ الخطوة التالية في تفسير ما هو واضح للعيان. المفتاح المطلوب لفتح أسرار الطبيعة المتعلقة بالدايامغناطيسية كان موجوداً أمام أنظارهم منذ تلك الفترة، قابعاً على رفوف المختبرات. إنه جهاز أمبير لقياس الطاقة الكهربائية بينما يتم التقليل من تأثيرات المغناطيسية الأرضية (ذكرتها في فقرات سابقة). هذا الجهاز يستخدم مجال المغناطيس الحلقي الذي يشبه تماماً جزيء الهيدروجين.
رغم أنه يقاوم معظم التأثيرات المغناطيسية الخارجية، إلا أن ذرات مغناطيسية أخرى تستطيع الوصل بين القطع القطبية للمجال الحلقي لتشكّل الاستثناءات ذاتها التي عجزت النظرية الكيماوية عن تفسيرها وإدخالها إلى منهجها الخاص، هذه النظرية التي ساهم فاراداي بشكل كبير في تسويقها والتثبيت من وطأتها ورسوخها.
Li 2 + O 2 Li O 2 , Li 2 O , Li 2 O 2
H 2 + O 2 H O 2 , H 2 O , H 2 O 2
N 2 + O 2 N O 2 , N 2 O , N 2 O 2
NaCl + H<sub
....................
تعليقات
إرسال تعليق